﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ أَيْ يُشَاوِرُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى يُخْبِرُوا أَنَّ الْفِطَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ، وَالْمُشَاوَرَةُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِي الْفِطَامِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أَيْ لِأَوْلَادِكُمْ مَرَاضِعَ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِمْ إِذَا أَبَتْ أُمَّهَاتُهُمْ يُرْضِعْنَهُمْ أَوْ تَعْذُرُ لِعِلَّةٍ بِهِنَّ، أَيِ: انْقِطَاعُ لَبَنٍ أَوْ أَرَدْنَ النِّكَاحَ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ مَا سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعْنَ، وَقِيلَ إِذَا سَلَّمْتُمْ أُجُورَ الْمَرَاضِعِ إِلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ وَفِي الرُّومِ "وَمَا أَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا" (٣٩-الرُّومِ) بِقَصْرِ الْأَلْفِ وَمَعْنَاهُ مَا فَعَلْتُمْ يُقَالُ: أَتَيْتُ جَمِيلًا إِذَا فَعَلْتُهُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَكُونُ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لَا بِمَعْنَى تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ يَعْنِي إِذَا سَلَّمْتُمْ لِأَمْرِهِ وَانْقَدْتُمْ لِحُكْمِهِ، وَقِيلَ إِذَا سَلَّمْتُمْ لِلِاسْتِرْضَاعِ عَنْ تَرَاضٍ وَاتِّفَاقٍ دُونَ الضِّرَارِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ يَمُوتُونَ وَتُتَوَفَّى آجَالُهُمْ، وَتَوَفَّى وَاسْتَوْفَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمَعْنَى التَّوَفِّي أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ يَتْرُكُونَ أَزْوَاجًا ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يَنْتَظِرْنَ ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أَيْ يَعْتَدِدْنَ بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالنُّقْلَةِ عَلَى فِرَاقِ أَزْوَاجِهِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ فَعِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الِابْتِدَاءِ حَوْلًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ" (_٢٤٠-الْبَقَرَةِ) ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَاجِبَةً عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ فَجَعَلَ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جناح عليكم فيما فَعَلْنَ" (٢٤٠-الْبَقَرَةِ) فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا.
وَقَالَ: عَطَاءٌ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وصيتها وإن شاء خَرَجَتْ، قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَهِيَ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا تَدْهِينَ رَأْسِهَا بِأَيِّ دُهْنٍ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ طِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَهَا تَدْهِينُ جَسَدِهَا بِدُهْنٍ لَا طِيبَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ أَوْ فِيهِ زِينَةٌ كَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ وَلَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ الْفَارِسِيِّ