تفسير سورة سورة القارعة

عبد الكريم يونس الخطيب

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب (ت 1390 هـ)

الناشر

دار الفكر العربي - القاهرة

نبذة عن الكتاب

من مقدمات كتاببي المهذب في تفسير جزء عم



التفسير القرآني بالقرآن، للدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو فيلسوف حقًّا، وتفسيره هذا تفسير كبير.

قال في مقدمة كتابه هذا: " ولا يستقيم هذا القول، الذي نقوله فى القرآن ـ بأنه مصدر التشريع الإسلامي ـ إلّا بفهم سليم صحيح لكتاب اللّه، ولا يكون هذا الفهم السليم الصحيح إلا عن طول تأمل وتدبر لكتاب اللّه، وتذوق لأساليب بيانه، ووقوف على بعض أسراره، وبهذا الفهم لكتاب اللّه، يتحقق لنا أمران: أولهما: اتصالنا بكتاب اللّه اتصالا وثيقا، قائما على معرفة به، وتذوق لجنى طعومه الطيبة، وهذا مما يجعل لتلاوتنا للقرآن، أو استماعنا لتلاوته أثرا فى نفوسنا، ووقعا على قلوبنا، وتجاوبا مع آدابه، واستجابة لنداءته.. فيما يدعو إليه، من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر!

وثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا، بلا ذيول، ولا معلقات..وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا، فيما أحل اللّه، وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره، فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه! ومن أجل هذا كانت صحبتنا هذه لكتاب اللّه، على هذا الوجه، الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب اللّه، وإلى تدبر آياته، بعيدا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كل صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه!

إننا فى صحبتنا هذه للقرآن، لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر فى كلماته وآياته. إننا لا نفسر القرآن بالمعنى المعروف للتفسير، فى هذه الصحبة التي نصحب فيها كتاب اللّه.. وإنما نحن نرتل آيات اللّه ترتيلا.. آية آية، أو آيات آيات.. ثم نقف لحظات نلتقط فيها أنفاسنا المبهورة، لما تطالعنا به الآية أو الآيات، من عجب ودهش وروعة، ثم نمسك القلم، لنمسك به على الورق بعض ما وقع فى مشاعرنا من صور العجب والدهش والروعة.. وإنها لصور باهتة بالنسبة للواقع الذي حملته تلك المشاعر.. فما أبعد الفرق بين الشعور المشتمل علينا ونحن بين يدى كلمات اللّه، وبين الكلمة التي تنقل هذا الشعور!! ولكنها ـ على أي حال ـ معلم من معالم الطريق إلى كتاب اللّه، يمكن أن يجد فيه السالك نورا، ويزداد به المهتدى هدى.. «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. " التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 6) فما بعد



وهو يبدأ السورة ببيان هل هي مكية أم مدنية، ويذكر عدد آياتها، وعدد كلماتها وعدد حروفها، كما يذكر أسماءها، ثم بعد ذلك يذكر الآيات آية آية أو أكثر، ويذكر تفسير الآيات ويربطها بالآيات التي تشبهها ثم يتوسع في شرحها، وكثيرا ما يربطها بالواقع، ويذكر مناسبة السورة، ويذكر مناسبة الآيات أحيانًا، ويذكر أحياناً سبب النزول، وتقلُّ فيه الآثار، ويردُّ على كثير من الخرافات والإسرائيليات، ويدافع عن الإسلام بقوة، ولا يخلو من لفتات لغوية وبلاغية، وهو ينحى منحى المدرسة العقلية، ومن ثم يميل للتأويل، ويردُّ بعض أخبار الآحاد التي تعارض القرآن حسب وجهة نظره كسحر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض أخبار المعراج وبعض علامات الساعة الكبرى.
أن يحاسبوا أنفسهم فى الدنيا، قبل يوم الحساب والجزاء فى الآخرة.. وجاءت سورة القارعة تقرع الناس بهذا اليوم، يوم الجزاء، وتدعوهم إلى الحساب والجزاء، بعد أن أخذوا الفرصة الممكّنة لهم من حساب أنفسهم، وإعدادها لهذا اليوم..

بسم الله الرحمن الرّحيم

الآيات: (١- ١١) [سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
التفسير قوله تعالى:
«الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ».
القارعة: هى يوم القيامة، لأنها تقرع القلوب بهولها، كأنها المقرعة التي تقع على الرأس بضربة مفاجئة.. فهى كالحاقة، والصاخة، والطامة، والغاشية..
— 1661 —
والاستفهام عنها هنا، هو تهويل لها، وليومها، وأنها مما لا تحيط العقول بكنهها..
وقوله تعالى:
«يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ»..
هو خبر عن القارعة، أي هى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش.. أي فى هذا اليوم يكون الناس كالفراش المنتشر، فى انطلاقهم إلى الحشر، وفى حومهم حول النار كما يحوم الفراش.. وتكون الجبال فى هذا اليوم كالصوف المنفوش، أي الذي تفككت شعيراته بعضها عن بعض.. وقد عرضنا لهذا فى مبحث خاص «١» وقوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» - المراد بثقل الموازين هنا هو اعتبار الأعمال، وإقامة وزن لها، حتى إذا وزنت كان لها رجحان على غيرها من الأعمال التي لا قدر لها ولا وزن، كما يقول سبحانه وتعالى عن أعمال الكافرين: «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» (١٠٥: الكهف) لأن أعمالهم لا قيمة لها ولا قدر.. ، لأنها لم تقم فى ظل الإيمان بالله.
فأصحاب الأعمال الحسنة التي رجحت بها موازينهم وارتفعت بها أقدارهم على الناس يومئذ، هم فى عيشة راضية، حيث ينعمون فى جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين..
(١) انظر صفحة ٥٤٩ الكتاب الرابع عشر من التفسير القرآنى.
— 1662 —
وفى وصف المعيشة بأنها راضية، مع أن الرضا إنما يكون لمن يعيشون فيها- فى هذا إشارة إلى أنها راضية فى ذاتها، بحيث تبدو وكأنها كائن حىّ قد اجتمع له كل ما يرضيه.. فهذه المعيشة قد اجتمع لها كل أسباب الرضوان لجميع الناس على اختلاف مطالبهم..
وقد عرضنا لهذا فى تفسير سورة «الحاقة».
قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ. وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ» وهؤلاء هم الكافرون الذين حبطت أعمالهم، فلم يكن لهم ولا لأعمالهم وزن- هؤلاء أمّهم. التي تضمهم إليهم، وتحنو عليهم، هى هاوية، حيث تهوى بأصحابها إلى قرار الجحيم.. إنها نار حامية، تأكل أهلها كما تأكل النار الحطب..
وفى جميع الموازين، إشارة إلى أن كل عمل من أعمال الإنسان له ميزانه الذي يوزن به، حسب قدره، وقيمة..
أما الميزان الذي توزن به الأعمال، فهذا مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه، ولا ينبغى لنا أن نتكلف له تصورا، وحسبنا أن نؤمن بأن هناك ميزانا توزن به الأعمال، وتتبين به قيمة كل عمل، صغر أو كبر.. أما هيئة هذا الميزان وكيفيته، وكيف توزن الأعمال به- فهذا مما يتولاه الله عنا، ولا شأن لنا به.. إنه سبحانه يحاسب، ويقضى، ويحكم، وهو أحكم الحاكمين.
— 1663 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير