تفسير سورة سورة الشمس

أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي (ت 982 هـ)

الناشر

دار إحياء التراث العربي - بيروت

مقدمة التفسير
سورة الشمس مكية، وآيها خمس عشرة.
آية رقم ١
والشمس وضحاها
أي ضوئِها إذَا أشرقتْ وقام سلطانُها وقيل الضَّحوةُ ارتفاعُ النهارِ والضُّحى فوقَ ذلكَ والضحاءُ بالفتحِ والمدِّ إذا امتدَّ النهارُ وكادَ ينتصفُ
آية رقم ٢
والقمر إِذَا تلاها
بأنْ طلعَ بعد غروبِها وقيل إذا تلا طلوعُه طلوعَها وقيلَ إذا تلاهَا في الاستدارةِ وكمال النُّورِ
آية رقم ٣
والنهار إِذَا جلاها
أي جَلَّى الشمسَ فإنها تتجلَّى عند انبساطِ النهارِ فكأنه جلاَّها مع أنَّها التي تبسطُه أو جلَّى الظلمةَ أو الدُّنيا أو الأرضَ وإن لم يجْرِ لها ذكر للعلم بها
آية رقم ٤
والليل إِذَا يغشاها
أي الشمسَ فيغطي ضوؤها أو الآفاقَ أو الأرضَ وحيثُ كانت الواواتُ العاطفةُ نوائبَ للواو الأُولى القسميةِ القائمةِ مقامَ الفعلِ والباءُ سادَّةً مسدَّهما معاً في قولكَ أقسمُ بالله حققْن أن يعمَلن عملَ الفعلِ والجارّ جميعاً كما تقول ضرب زيد عَمراً وبكرٌ وخالدا
آية رقم ٥
والسماء وَمَا بناها
أيْ ومَنْ بنَاها وإيثارُ مَا على مَنْ لإرادةِ الوصفيةِ تفخيماً كأنَّه قيلَ والقادرِ العظيمِ الشأنِ الذي بناهَا وجعلَها مصدريةً مخلٌّ بالنظمِ الكريمِ وكذا الكلامُ في قولِه تعالَى
آية رقم ٦
والأرض وَمَا طحاها
أي بسطَها من كلِّ جانبٍ كدحاها
— 163 —
٩١ سورة الشمس (٧ ١٣)
— 164 —
آية رقم ٧
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
أي أنشأَها وأبدعَها مستعدةً لكمالاتِها والتنكيرُ للتفخيمِ على أنَّ المرادَ نفسُ آدمَ عليه السَّلامُ أو للتكثيرِ وهو الأنسبُ للجوابِ
آية رقم ٨
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
أي افهمها اياهما وعرفها حالهما من الحُسْنِ والقُبحِ وما يؤدي إليه كلٌّ منهُمَا ومكَّنها من اختيارِ أيِّهما شاءتْ وتقديمُ الفجورِ لمراعاةِ الفواصلِ
آية رقم ٩
قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها
أيْ فازَ بكلِّ مطلوبٍ ونجَا من كلِّ مكروهٍ مَنْ أنماهَا وأعلاها بالتقوى وهو جوابُ القسمِ وحذفُ اللامِ لطولِ الكلامِ وتكريرُ قَدْ في قولِه تعالَى
آية رقم ١٠
وَقَدْ خَابَ مَن دساها
لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بتحقيقِ مضمونِه والإيذانِ بتعلقِ القسمِ بهِ أيضاً أصالةً أيْ خسرَ مَنْ نقصَها وأخفَاها بالفجورِ وأصلُ دَسَّى دَسَّسَ كتقضَّى وتَقْضَّضَ وقيلَ هو كلامٌ تابعٌ لقولِه تعالى ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ بطريقِ الاستطرادِ وإنما الجوابُ ما حذفَ تعويلاً على دلالة قولِه تعالى
آية رقم ١١
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا
عليه كأنه قيل ليدمد من الله تعالَى على كفارِ مكةَ لتكذيبِهم رسولِ الله ﷺ كما دمدمَ على ثمودَ لتكذيبِهم صالحاً عليهِ السلامُ وهو على الأولِ استئنافٌ واردٌ لتقريرِ مضمونِ قولِه تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ من دساها﴾ والطَّغوى بالفتحِ الطُّغيانُ والباءُ للسببيةِ أيْ فعلتِ التكذيبَ بسببِ طُغيانِها كما تقولُ ظلمنِي بجراءتِه على الله تعالى أو صلةٌ للتكذيبِ أيْ كذَّبتْ بمَا او عدت بهِ منَ العذابِ ذي الطَّغوى كقولِه تعالَى ﴿فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ وقُرِىءَ بطُغواهَا بضم الطاء وهو أيضاً مصدرٌ كالرُّجعى
آية رقم ١٢
إِذِ انبعث أشقاها
منصوبٌ بكذبتْ أو بالطَّغوى أيْ حينَ قامَ أَشْقى ثمودٍ وهو قدار بن سلف أو هُو ومَنْ تصدَّى معه لعقرِ الناقةِ من الأشقياء فان أفعل التفصيل إذا أضيفَ يصلُح للواحدِ والمتعددِ والمذكرِ والمؤنثِ وفضلُ شقاوتِهم على مَنْ عداهُم لمباشرتِهم العقَر معَ اشتراكِ الكل في الرضابه
آية رقم ١٣
فَقَالَ لَهُمُ
أي لثمودَ
رَسُولِ الله
أي صالحٌ عليه السلامُ عبرَ عنه بعنوانِ الرسالةِ إيذاناً بوجوبِ طاعتِه وبياناً لغايةِ عُتوهم وتمادِيهم في الطغيانِ وهو السرُّ في إضافةِ الناقةِ إلى الله تعالَى في قولِه تعالى
نَاقَةُ الله
— 164 —
٩١ سورة الشمس (١٤ ١٥)
أي ذرُوا ناقةَ الله
وسقياها
ولا تذودُوها عنها في نوبتها
— 165 —
آية رقم ١٤
فَكَذَّبُوهُ
أي في وعيدِه بقولِه تعالَى ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد جوز أن يكون ضميرُ لهُم للأشقينِ ولا يلائمهُ ذكرُ سقياهَا
فَعَقَرُوهَا
أي الأشقى والجمعُ على تقديرِ وحدتِه لرِّضا الكلِّ بفعلِه وقال قَتَادةُ بلغنا أنَّه لم يعقرْها حتى تابعَه صغيرُهم وكبيرُهم وذكرُهم وأنثاهُم وقال الفرَّاءُ عقرَها اثنانِ والعربُ تقولُ هذانِ أفضلُ الناسِ
فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
فأطبقَ عليهم العذابَ وهو من تكريرِ قولِهم ناقة مدمدمة إذا ألبسَها الشحمُ
بِذَنبِهِمْ
بسببِ ذنبِهم المحكيِّ والتصريحُ بذلكَ مع دِلالة الفاءِ عليهِ للإنذارِ بعاقبةِ الذنبِ ليعتبرَ به كلُّ مذنبٍ
فَسَوَّاهَا
أي الدمدمةَ بينهُم لم يفلتْ منهُم أحدٌ من صغيرٍ وكبيرٍ أو فسوَّى ثمودَ بالأرضِ أو سوَّاها في الهلاكِ
آية رقم ١٥
وَلاَ يَخَافُ عقباها
أي عاقبتَها وتبعتَها كما يخافُ سائرُ المعاقبينَ من الملوكِ فيبقِي بعضَ الإبقاءِ وذلك أنَّه تعالَى لا يفعلُ فعلاً إلاَّ بحقَ وكلُّ من فعلَ بحق فانه لا يخافُ عاقبةَ فعلِه وإنْ كانَ من شأنِه الخوفُ والواوُ للحالِ أو للاستئنافِ وقُرِىءَ فَلاَ يخافُ وقرىء لم يخفْ عنْ رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الشمسِ فكأنما تصدقَ بكلِّ شيءٍ طلعتْ عليهِ الشمسُ والقمرُ
— 165 —
٩٢ سورة الليل (١ ٨)
سورة الليل مكية وآيها احدى وعشرون

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم

— 166 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

15 مقطع من التفسير