تفسير سورة العنكبوت

تفسير القاسمي
تفسير سورة سورة العنكبوت من كتاب محاسن التأويل المعروف بـتفسير القاسمي .
لمؤلفه جمال الدين القاسمي . المتوفي سنة 1332 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

٢٩ – سورة العنكبوت
سميت بها لاشتمالها على آية ١ :﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ﴾ الآية، المشير إلى إن من اعتمد على قوة الأصنام وحفظها عن العذاب كالعنكبوت، اعتمدت على قوة بيتها التي لا تحتمل مس أدنى الحشرات والرياح، وحفظها عن الحر والبرد. وهذا أتم في الدعوة إلى التوحيد الذي هو أعظم مقاصد القرآن. أفاده المهايمي.
وهي مكية. واستثنى من أولها إلى قوله تعالى ٢ :﴿ وليعلمن المنافقين ﴾ وقوله ٣ :﴿ وكأين من دابة ﴾ الآية ويقال أنها آخر ما نزل بمكة. وآيها تسع وستون. قال الداني : متفق عليه.
١ (٢٩ العنكبوت ٤١)..
٢ (٢٩ العنكبوت ١١)..
٣ (٢٩ العنكبوت ٦٠)..

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)
الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أي أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وأظهروا القول بالإيمان، أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم. لتمييز المخلص من غير المخلص. كما قال لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]، وكقوله:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]، وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]، وكل هذه الآيات وأمثالها مما نزل بمكة في تثبيت قلوب المؤمنين، وتصبيرهم على ما كان ينالهم.
من أذى المشركين وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من أتباع الأنبياء عليهم السلام، بضروب من الفتن من أعدائهم، كما دوّن التاريخ اضطهادهم. أي فصبروا وما وهنوا لما أصابهم حتى علت كلمة الله فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا أي في قولهم آمَنَّا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أي فيه: وذلك بالامتحان.
فإن قيل: يتوهم من صيغة الفعل أن علمه حدث، مع أنه قديم. إذ علمه بالشيء قبل وجوده وبعده، لا يتغير. يجاب بأن الحادث هو تعلق علمه بالمعلوم بعد حدوثه.
وقال الناصر: فائدة. ذكر العلم ها هنا، وإن كان سابقا على وجود المعلوم هو التنبيه بالسبب على المسبب. وهو الجزاء كأنه قال تعالى: (ليعلمنهم فليجازينهم بحسب علمه فيهم).
وقال المهايمي: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ أي يظهر علمه عند خلقه بصدق إيمان الَّذِينَ صَدَقُوا فيه، بدلالة ثباتهم عليه عند المصائب وَلَيَعْلَمَنَّ أي وليظهر علمه بكذب دعوى الْكاذِبِينَ لئلا يشهدوا عنده بإيمان الكاذبين، فينسب في تعذيبهم إلى الظلم. وليثق المؤمنون بمحبة الصادقين، ويستظهروا بها، ويحذروا عن مكر الكاذبين. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤ الى ٧]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا أي يفوتونا، فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي بئس الذي يحكمونه حكمهم مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي في الجنة من رؤيته، والفوز بكرامته فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ وهو الموت لَآتٍ أي فليبادر ما يصدق رجاءه ويحقق أمله من الثبات والتواصي بالحق والصبر والرغبة فيما عنده تعالى. أو المعنى: من كان يرجو لقاء الله، من كل من صدق في إيمانه، وأخلص في يقينه، فاعلم أن أجل الله لآت. وهو الوقت الذي جعله أجلا وغاية لظهور النصر والفتح وعلوّ الحق وزهوق الباطل. أي فلا يستبطئنّه.
فإنه آت بوعد الله الحق وقوله الصدق. ولم أر من ذكره ولعله أنسب بقرينة السياق والسباق. والله أعلم وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي السميع لأقوالهم العليم بضمائرهم وأحوالهم وَمَنْ جاهَدَ أي في الصبر على البلاء والثبات على الحق مع ضروب الإيذاء فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي لأنه يمهد لنفسه، ما يجني به ثمرة غرسه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي أحسن جزاء أعمالهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ٩]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً أي أمرناه أمرا مؤكدا بإيلاء والديه فعلا ذا حسن عظيم وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما أي في الشرك، إذا حملاك عليه. ومعنى ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا علم لك بإلهيته. قال القاضي:
عبر عن نفيها بنفي العلم بها، للإيذان بأن ما لم يعلم صحته، لا يجوز اتباعه، وإن لم يعلم بطلانه. فكيف بما علم بطلانه؟ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي إليّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك. فأجازيكم حق جزائكم. فيه التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة في الدين، بذكر المرجع والوعيد.
وقد روي أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه حين أسلم، قالت أمه: يا سعد! بلغني أنك قد صبأت. فو الله! لا يظلني سقف بيت من الضحّ والريح.
وإن الطعام والشراب عليّ حرام، حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها. فأبى سعد. وبقيت ثلاثة أيام كذلك. فجاء سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه. فنزلت هذه الآية، والتي في لقمان، والتي في الأحقاف. فأمره رسول الله ﷺ أن يداريها ويترضاها بالإحسان
. وروى الترمذي عن سعد «١» قال: نزلت فيّ أربع آيات. فذكر قصته وقال: قالت أم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت، أو تكفر. فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها. فنزلت هذه الآية.
قال ابن كثير: وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا.
وقال الترمذي: حسن صحيح وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في زمرة الراسخين في الصلاح والكمال.
قال الزمخشري: والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله.
(١) أخرجه الترمذي في: التفسير، ٢٩- سورة العنكبوت، حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى.
قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩]، وقال في إبراهيم عليه السلام وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أو المعنى: في مدخل الصالحين وهي الجنة. وهذا نحو قوله تعالى:
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء: ٦٩]، الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ أي جعل ما يصيبه في الصرف عن الإيمان من ضروب الإيذاء، بسببه، مثل عذاب الله في الشدة والهول، فيرتد عن الدين. مع أن مقتضى إيمانه أن يصبر ويتشجع ويتلقى ما يناله في الله بالرضا، يرى العذاب فيه عذوبة والمحنة منحة. فإن العاقبة للتقوى وسعادة الدارين لأهلها وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي من التلبيس والإخلاص. وهذه الآية كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [الحج: ٢٢]، إلى قوله ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج: ١٢]، وكقوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤١]، وقال تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [المائدة: ٥٢].
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١١ الى ١٣]
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي بإخلاصهم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ثم بين
تعالى حمل كفار قريش لمن آمن على الكفر بالاستمالة، بعد بيان حملهم لهم عليهم بالأذية، بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أي إن كان ذلك خطيئة يؤاخذ عليها بالبعث، فتبعتها علينا وفي رقابنا.
قال ابن كثير: كما يقول القائل افعل كذا وخطيئتك في رقبتي. قال الله تعالى تكذيبا لهم وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وهي أوزار أنفسهم وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ أي وأوزارا أخر مع أوزار أنفسهم. يعني أوزار الإضلال والحمل على الكفر والصدّ عن سبيل الله. كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥]، وفي الصحيح «١» (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا) وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي من الأكاذيب والأباطيل. ثم بين تعالى افتتان الأنبياء بأذية أممهم، إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار، تأكيدا الإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء، وحثا لهم على الصبر تأسيا بالأنبياء، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً أي هذه الحادثة الهائلة موعظة
(١) أخرجه مسلم في: العلم، حديث ١٦. عن أبي هريرة.
لِلْعالَمِينَ وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي كذبا، في تسميتها آلهة وشركاء لله، وشفعاء إليه إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي التبليغ الذي يزيل كل لبس وما عليه أن يصدقه قومه أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إرشاد إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه مع وضوح دليله، وذلك بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين. فالذي بدأ هذا، قادر على إعادته. فإنه سهل عليه، يسير لديه. فقوله تعالى: ثُمَّ يُعِيدُهُ عطف على (أو لم يروا) لا على (يبدئ) لعدم وقوع الرؤية عليه. فهو إخبار بأنه تعالى يعيد الخلق قياسا على الابتداء. وقد جوز العطف على (يبدئ) بتأويل (الإبداء) بإبداء ما يشاهده، كالنبات وأوراق الأشجار وغيرهما. والإعادة بإنشائه تعالى كل سنة، مثل ما أنشأه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما. فإن ذلك مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه من غير ريب. فيصحّ حينئذ العطف.
قال الشهاب: لكنه غير ملاق لما وقع في غير هذه الآية.
قال: وبهذا التقرير سقط ما قيل: إن أريد بالرؤية العلم فكلاهما معلوم. وإن أريد الإبصار فهما غير مرئيين. مع أنه يجوز أن يجعل ما أخبر به الله تعالى لتحققه، كأنه مشاهد إِنَّ ذلِكَ أي ما ذكره، وهو الإعادة عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ أي كيف خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتّى. فإن ترتيب النظر على السير في الأرض، مؤذن يتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أي الخلق الآخر إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي بعد النشأة الثانية، وهم المنكرون لها وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وهم المؤمنون بها وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي بالتواري في الأرض، ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها، لو استطعتم الرقيّ فيها. أو القلاع الذاهبة فيها. فيكون المراد بالسماء ما ارتفع. وقيل: المعنى (ولا من في السماء) فحذف اسم الموصول وهو مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير (ولا من في السماء بمعجزه) والجملة معطوفة على جملة (أنتم بمعجزين) وفيه تكلف وضعف صناعي وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أي يدافع عنكم ما يراد بكم وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ثم أشار تعالى إلى ما أجاب به قوم إبراهيم، بعد دعوته إياهم وعظاته البالغة، بقوله فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتتوادّوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
551
أي تتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع. كما قال تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [الأعراف:
٣٨]، وقال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:
٦٧]، وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ.
تنبيه:
قال السمين: في (ما) من قوله تعالى: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ ثلاثة أوجه:
أحدها- أنها موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف، وهو المفعول الأول وأَوْثاناً مفعول ثان. والخبر (مودة) في قراءة من رفع. والتقدير: إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة، أي ذو مودة، أو جعل نفس المودة مبالغة. ومحذوف على قراءة من نصب (مودة) أي: الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم، أو يكون عليكم، لدلالة قوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ.
والثاني- أن تجعل (ما) كافة، و (أوثانا) مفعول به. و (الاتخاذ) ها هنا متعد لواحد. أو لاثنين، والثاني هو (من دون الله) فمن رفع (مودة) كانت خبر مبتدأ مضمر، أي هي مودة أي ذات مودة. أو جعلت نفس المودة مبالغة. والجملة حينئذ صفة ل (أوثانا) أو مستأنفة. ومن نصب كان مفعولا له، أو بإضمار (أعني).
الثالث- أن تجعل (ما) مصدرية، وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول.
أي: أن سبب اتخاذكم أوثانا مودة، فيمن رفع (مودة) ويجوز أن لا يقدر، بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة. ومن القراء من رفع (مودة) غير منونة وجرّ (بينكم) ومنهم من نصب (مودة) منوّنة ونصب (بينكم) ومنهم من نصب (مودة) منونة وجرّ (بينكم). فالرفع تقدم. والنصب تقدم أيضا فيه وجهان. وجوّز ثالث، وهو أن يجعل مفعولا ثانيا عن المبالغة والإضافة، للاتساع في الظرف.
ونقل عن عاصم أنه رفع (مودة) غير منونة ونصب (بينكم) وخرجت على إضافة (مودة) للظرف. وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن.
وأشار العلامة القاشاني إلى جواز أن يكون قوله تعالى: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خبرا ل (ما) إن كانت اسمية. وهو وجه لم يتعرض له المعربون هنا، ولا مانع منه.
وعبارته:
إنما اتخذتم من دون الله، شيئا عبدتموه مودودا فيما بينكم (في الحياة الدنيا) أو: إن كل ما اتخذتم من دون الله، شيئا مودودا فيما بينكم في الحياة الدنيا، أو: إن كل ما اتخذتم أوثانا مودود في هذه الحياة الدنيا. أو لمودة بينكم في هذه، على القراءتين.
552
ثم قال: والمعنى أن المودة قسمان: مودة دنيوية، ومودة أخروية. والدنيوية منشؤها النفس، والأخروية منشؤها الروح. فكل ما يحب ويودّ من دون الله، لا لله ولا بمحبة الله، فهو محبوب بالمودة النفسية. وهو هوى زائل، كلما انقطعت الوصلة البدنية زالت ولم تصل إلى إحدى القيامات، فإنها نشأت من تركيب البدن واعتدال المزاج. فإذا انحلّ التركيب وانحرف المزاج، تلاشت وبقي التضادّ والتعاند، بمقتضى الطبائع، لقوله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ الآية. ولهذا شبهها ببيت العنكبوت في الوهن.
وأما الأخروية فمنشؤها المحبة الإلهية. وتلك المودة هي التي تكون بين الأصفياء والأولياء، لتناسب الصفات، وتجانس الذوات، لا تتصفى غاية الصفاء إلا عند زوال التركيب. فيصير يوم القيامة محبة صرفة الهيئة، بخلاف تلك. انتهى.
فَآمَنَ لَهُ أي صدق إبراهيم فيما دعاه إليه لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ أي من أرض قومي إِلى رَبِّي أي لا إلى غيره بل إلى عبادته وإقامة شعائر دينه والقيام بدعوة الخلق إلى الحق من شرعه وتوحيده إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي ولدا ونافلة، بمباركة الذرية وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا أي بإيتاء الولد والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماء أهل الملك إليه والثناء إلى آخر الدهر والصلاة عليه وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي الفعلة المتناهية في القبح ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أي لتحاشي الطباع عنها. ثم فصّلها بعد الإجمال، لزيادة تنفير النفوس منها أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ أي سبيل النسل بإتيان ما ليس بحرث. أو بعمل قطاع الطريق من قتل الأنفس وأخذ الأموال وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ أي ما لا يليق من الأقوال والأفعال فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ أي الذين يفسدون كل برهان عقليّ ونقليّ، وكل حكمة إلهية وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى أي بالبشارة بالولد والنافلة، وهم الملائكة. بعثوا لنصر لوط وتبشيره بهلاك قومه قالُوا أي لإبراهيم عليه السلام إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أي قرية سدوم إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ أي بتنزيلهم الرجال منزلة النساء، وقطع السبل، وفعل المنكر وترك المعروف قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب أو القرية وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا أي المذكورون بعد مفارقتهم لإبراهيم عليه السلام لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أي اعترته المساءة بسببهم مخافة أن يقصدوهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي ضاق بشأنهم ذرعه، أي طاقته وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ أي ممّا يصيبهم من العذاب إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٨]
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أي عذابا عظيما من جهتها بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعني قصتها العجيبة، أو آثارها الخربة وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ أي توقعوه، وما سيقع فيه من فنون الأهوال وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي بالبغي على أهلها، كنقص المكيال والميزان، وقطع الطريق على الناس، فإن عاقبة ذلك الدمار فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الصيحة التي هي منشأ الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي بلدهم أو منازلهم جاثِمِينَ أي هلكى ميتين وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي عقلاء متمكنين من النظر والافتكار بواسطة الرسل عليهم السلام،
فإنهم أوضحوا السبل، فلم يكن لهم في ذلك عذر، ولكنهم لم يفعلوا، عنادا وكبرا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ أي فائتين الله سبحانه. بل لحقهم عذابه فدمرهم تدميرا. ولذا قال فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً أي ريحا عاصفا، فيها حصاء، وهم قوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كمدين وثمود وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كقوم نوح وفرعون وقومه وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي يفعل ما يوجب ذلك، من البغي والفساد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً أي تعتمد على قوته وتظنه محيطا بها، دافعا عنها الحرّ والبرد وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ أي أضعفها لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ أي لأنه لا يحتمل مسّ أدنى الحيوانات وأضعف الرياح. ولا يدفع شيئا من الحرّ والبرد. وهذا مثلهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي شيئا ما. أو إن أولياءهم أو هي من ذلك ثم الغرض من التشبيه هو تقرير وهن دينهم، وإنه بلغ الغاية فيه، وهو إما تشبيه مركب من الهيئة المنتزعة، فمدار قطب التمثيل على أن أولياءهم بمنزلة نسج العنكبوت في ضعف الحال وعدم الصلاحية للاعتماد. وعلى هذا فقوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ تذييل يعرّف الغرض من التشبيه. وقوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إيغال في تجهيلهم. لأنهم لا يعلمونه مع وضوحه لدى من له أدنى مسكة. وإما أن يكون من
تشبيه المفرد، لأن المقصود بيان حال العابد والمعبود. وفي الآية لطائف بيانية ذكرت في المطولات. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ بالياء والتاء في (تدعون) قراءتان. و (ما) إما استفهامية منصوبة ب (يدعون) و (من) الثانية للتبيين. أو نافية و (من) مزيدة. و (شيء) مفعول (تدعون) أو مصدرية بمعنى الدعوة و (شيء) مصدر بمعناه أيضا. أو موصولة مفعول ل (يعلم) ومفعول (يدعون) عائده المحذوف. والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد للمثل. وعلى الآخرين وعيد لهم. أفاده القاضي وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ يعني هذا المثل ونظائره في التنزيل نَضْرِبُها لِلنَّاسِ أي ليقرب ما بعد من أفهامهم. فإن الأمثال والتشبيهات طرق تبرز فيها المعاني المحتجبة للأفهام وَما يَعْقِلُها أي يدرك حسنها وفوائدها إِلَّا الْعالِمُونَ أي الراسخون في العلم الكاملون فيه. وعن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها، إلا أحزنني. لأني سمعت الله تعالى يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي محقّا مراعيا للحكم والمصالح، مقدسا عن أن يقصد به باطلا.
فالباء للملابسة، والجار والمجرور حال. وهذا كقوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [الدخان: ٣٨]، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي تقربا إلى الله تعالى بقراءته، وتحفظا لألفاظه، واستكثارا لما في تضاعيفه من المعاني. فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. وتذكيرا للناس، وحملا لهم على العمل بما فيه، من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ أي تكون سببا للانتهاء عن ذلك. ففيه تجوز في الإسناد. فإن قلت: كم من مصلّ يرتكب ولا تنهاه صلاته! قلت: الصلاة التي هي الصلاة عند الله، المستحق بها الثواب، أن يدخل فيها مقدما للتوبة النصوح متقيا، لقوله تعالى:
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح. ثم يحوطها بعد
556
أن يصليها، فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا.
عن الحسن رحمه الله: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه. أفاده الزمخشريّ. وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ قال الزمخشري: أي: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩]، وإنما قال (ولذكر الله) ليستقل بالتعليل. كأنه قال: وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله. أو: ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر، وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما، أكبر. فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، ولذكر الله إياكم برحمته، أكبر من ذكركم إياه بطاعته. انتهى. ف (ذكر) على الأولين مصدر مضاف للمفعول. وعلى ما بعدهما مضاف للفاعل، والمفعول محذوف. والمفضل عليه في الأولين غيره من الطاعات. وفي الأخير قوله (من ذكركم).
وقال الرازي: لما ذكر تعالى أمرين، وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة، بيّن ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم، فقال وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة، تنبشون لذلك وتذكرونهم بملء أفواهكم وقلوبكم. لكن ذكر الله أكبر، فينبغي أن يكون على أبلغ وجه التعظيم. وأما الصلاة فكذلك. لأن الله يعلم ما تصنعون. وهذا أحسن صنعكم.
فينبغي أن يكون على وجه التعظيم. وفي قوله وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مع حذف بيان ما هو أكبر منه، لطيفة. وهي أن الله لم يقل: أكبر من ذكر فلان، لأن ما نسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة. إذ لا يقال الجبل أكبر من خردلة وإنما يقال: هذا الجبل أكبر من هذا الجبل. فأسقط المنسوب كأنه قال (ولذكر الله له الكبر لا لغيره) وهذا كما يقال في الصلاة (الله أكبر) أي له الكبر لا لغيره. انتهى.
ولما بيّن تعالى طريقة إرشاد المشركين، ونفع من انتفع، وحصول اليأس ممن امتنع، بيّن طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالخصلة التي هي أحسن. وهي اللين والأناة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي بالاعتداء، بأن أفحشوا في المقال وأقذعوا في الجدال، فلا حرج في مقابلتهم بالعنف، لتنكبهم عن جادة اللطف. وهذا كما قال تعالى لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ
557
بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
[النساء: ١٤٨]، وهذه الآية أصل في آداب المناظرة والجدل وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي مطيعون له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
قال ابن كثير: يعني إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا يقدم على تكذيبه، لأنه قد يكون حقا. ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلا. ولكن يؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط. وهو أن يكون منزلا، لا مبدلا مؤوّلا. وروى البخاري «١» عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم.
وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون. وهذا الحديث تفرد به البخاري.
وروى الإمام أحمد «٢» عن أبي نملة الأنصاري مرفوعا: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله. فإن كان حقّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم. ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان. لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل. وما أقل الصدق فيه. ثم ما أقل فائدة كثير منه، لو كان صحيحا.
روى البخاري «٣» عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث. تقرؤونه محضا لم يشب.
وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيّروا، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا، والله! ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
وقال البخاري «٤» : وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. أخبرني حميد
(١)
أخرجه البخاري في: الاعتصام، ٢٥- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، حديث ١٩٦٦
. (٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٤/ ١٣٦.
(٣) أخرجه في: الشهادات، ٢٩- باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة عبرها، حديث رقم ١٣٠٠.
(٤)
أخرجه البخاري في: الاعتصام، ٢٥- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، حديث ٢٥٩٥.
558
ابن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب.
وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. معناه أنه يقع منه الكذب من غير قصد. لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة. لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة. ومع ذلك، وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة، لا يعلمها إلا الله عز وجل. ومن منحه الله علما علم بذلك كل بحسبه. ولله الحمد والمنة. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي: مثل ذلك الإنزال، أنزلنا إليك الكتاب. أي أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ أي العرب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أي فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لما يكفل سعادة الدارين في شرائعه وقضاياه، على أميّ لم يعرف بالقراءة والتعلم، خارق للعادة. وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الإسناد إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لو كنت ممن يخط ويقرأ، لقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده، من كتب مأثورة عن الأنبياء.
تنبيه:
قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية دليل على أنه ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب. وفيها ردّ على من زعم أنه كتب. انتهى.
وقال ابن كثير: وهذه صفته في الكتب المتقدمة. كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧]، الآية. وهكذا كان رسول الله ﷺ دائما لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده. بل كان له كتّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم، من متأخري الفقهاء، كالقاضي ابن الوليد الباجي ومن تابعه، أنه
عليه السلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فإنما حمله على ذلك رواية «١» في صحيح البخاري (ثم أخذ فكتب) وهذه محمولة على الرواية الأخرى (ثم أمر فكتب) ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرأوا منه وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم. وإنما أراد الرجل أعني الباجي فيما يظهر عنه. أنه كتب ذلك على وجه المعجزة. لا أنه كان يحسن الكتابة. وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ﷺ حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له. انتهى.
وقال الشهاب: وممن ذهب إلى أنه كان يحسن الكتابة، أبو ذرّ الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة. وصنف فيه كتابا، وسبقه إليه ابن منبه. ولما قال أبو الوليد ذلك، طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف. فأجابوا بما يوافقه.
وأن معرفة الكتابة بعد أميّته لا تنافي المعجزة. بل هي معجزة أخرى، لكونها من غير تعليم.
ورد الإمام محمد بن مفوز كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح «٢»
(إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)
وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله (كتب) فمعناه أمر بالكتابة. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
بَلْ هُوَ أي القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي العلماء به وحفاظه. وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور، يتلوه أكثر الأمة ظاهرا. بخلاف سائر الكتب. فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة (صدورهم
(١) أخرجه في: الشروط، ١٥- باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط، حديث ٨٨١ و ٨٨٢ عن المسوّر بن مخرمة ومروان.
(٢)
أخرجه البخاري في: الصوم، ١٣- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكتب ولا نحسب»، حديث ٩٦٨، عن ابن عمر
.
أناجيلهم). كذا في الكشاف. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ يعنون ما كانوا يقترحونه في تعنتهم قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي هو يملك إنزالها، ولو شاء لفعل وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، لا الإتيان بما تقترحونه. ثم أشار إلى أن في آية تنزيل الكتاب، غنية عن كل آية مقترحة. لما أن الدور انقلب من الآيات الآفاقية، إلى الآيات العلمية، وفاقا لسنة الترقي، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥١ الى ٥٦]
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أي آية مغنية عما اقترحوه أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ أي وفيه نفسه من الآيات والمعجزات ما لا يرتاب معه إلا من سفه نفسه، وكابر حسه إِنَّ فِي ذلِكَ أي الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة بالغة ظاهرة لَرَحْمَةً أي لنعمة عظيمة في هدايته إلى الحق وإلى صراط مستقيم وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي تذكرة لقوم، همهم الإيمان دون التعنت قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أي إني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وإنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. يعني. كفى علمه بذلك. وجوز أن يكون المعنى شهيدا بصدقي بالتأييد والحفظ، أي هو شاهد على ما جئت به، مصدق له تصديق الشاهد لدعوى المدعي.
قال ابن كثير: أي فلو كنت غير محقّ، لانتقم مني، كما قال تعالى
561
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤- ٤٧]، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به. ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات. انتهى يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فلا يخفى عليه حالي وحالكم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ أي استهزاء وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى أي لكل عذاب أو قوم، وهو وقته المعين له فيهما لَجاءَهُمُ الْعَذابُ أي عاجلا وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً أي فجأة في الدنيا. كوقعة بدر. فقد كانوا لغرورهم لا يتوقعون غلبة المسلمين. أو في الآخرة عند نزول الموت بهم يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي ستحيط بهم. أي يستعجلونك بالعذاب وهو واقع بهم لا محالة. أو هي كالمحيطة بهم. لأن كل آت قريب.
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي جزاءه يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
وهذا خطاب لمن لم تمكنه عبادته تعالى وحده في أرضه، لإيذائه في الله واضطهاده في جانبه، أن يهاجر عنها إلى بلد ما، يقدّر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وآمن نفسا. وأن يتجنب المقام في بلده على تلك الحالة، كيلا يفتنه الكافرون. أو يعرض نفسه للتهلكة، وقد جعل له منها مخرج. وكون أرض الله واسعة، مذكور للدلالة على المقدر. وهو كالتوطئة لما بعده. لأنها مع سعتها، وإمكان التفسح فيها، لا ينبغي الإقامة بأرض لا يتيسر بها للمرء ما يريده. كما قيل:
وكل مكان ينبت العز طيب وقال آخر:
إذا كان أصلي من تراب فكلّها بلادي، وكلّ العالمين أقاربي
وقد روى الإمام «١» أحمد عن الزبير: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البلاد بلاد الله والعباد عباد الله. فحيثما أصبت خيرا فأقم
. ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير نزل بها، عند ملكها النجاشيّ رحمه الله. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه
(١) أخرجه في مسنده ١/ ١٦٦. حديث رقم ١٤٢٠.
562
الباقون إلى المدينة المنورة، عملا بالآية الكريمة. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٧ الى ٦١]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ تحريض على العبادة وإخلاص الدين بتذكير الموت والرجعى. أو تسلية للمهاجر إلى الله، وتشجيع له، بأن لا يثبطه عن هجرته خوف الموت بسببها. فلا المقام بأرضه يدفعه، ولا هجرته عنه تمنعه. وفيه استعارة بديعة لتشبيه الموت بأمر كريه الطعم، مرّه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا أي على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. وعلى أذى المشركين وعلى المحن والمصائب وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ثم أشار تعالى إلى كفالته لمن هاجر إليه، من الفقر والضيعة، بقوله سبحانه وَكَأَيِّنْ أي: وكم مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي يقيّض لها رزقها على ضعفها، ويرزقكم مع قوتكم واجتهادكم. فهو الميسّر والمسهّل لكل مخلوق من رزقه ما يصلحه. فلا يختص رزقه ببقعة دون أخرى، بل خيره عامّ وفضله شامل لخلقه، حيث كانوا وأنّى وجدوا. وقد ظهر مصداق كفالته تعالى لأولئك المهاجرين، بما وسع عليهم وبسط لهم من طيب الرزق ورغد العيش وسيادة البلاد في سائر الأمصار. وهذا معنى ما
ورد مرفوعا (سافروا تصحوا وتغنموا) رواه البيهقيّ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني هؤلاء المشركين الذين يعبدون معه غيره مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي اعترافا بأنه المنفرد بخلقها فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي فكيف مع هذا الاعتراف يصرفون عن عبادته وحده، ويشركون بها ما لا يضر ولا ينفع. وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي فيفعل بعلمه، ما تقتضيه حكمته. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على أن جعل الحق بحيث لا يجترئ المبطلون على جحوده. وأنه أظهر حجتك عليهم. والمعنى: احمد الله عند جوابهم المذكور على إلزامهم وظهور نعم لا تحصى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي فلذلك يتناقضون حيث ينسبون النعمة إليه، ويعبدون غيره. وقوله: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ إشارة إلى ازدراء الدنيا وتحقير شأنها، وكونها في سرعة زوالها، وتقضّي أمرها، كما يلهّى ويلعب به الصبيان، ثم يتفرقون عنه. ولا ثمرة إلا التعب. ففي الحصر تشبيه بليغ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أي دار الحياة الخالدة. ففيه مضاف مقدر. و (الحيوان) مصدر سمّي به ذو الحياة، في غير هذا المحل. وإيثاره على (الحياة) لما فيه من المبالغة. لأن (فعلان) بالفتح في المصادر الدالة على الحركة لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لم يؤثروا عليها الدنيا التي حياتها عارضة. وهذا جواب الشرط المقدر، لعلمه من السياق. وكونها للتمني بعيد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٥ الى ٦٧]
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الدعاء. لعلمهم أنه لا ينجيهم من الغرق سواه فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي من نعمة النجاة وربح التجارة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي عاقبة ذلك حين يعاقبون
أَوَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً أي لا يغزى أهله، ولا يغار عليهم، مع قلتهم وكثرة العرب وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أي يختلسون قتلا ونهبا وسبيا أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ أي: أفبعد هذه النعمة الظاهرة وغيرها من النعم، التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، يكفرون خيره، ويشركون معه غيره.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٨ الى ٦٩]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن زعم أن له شريكا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ يعني الرسول أو الكتاب أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي موضع إقامة، جزاء افترائهم وكفرهم. بلى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي جاهدوا النفس والشيطان والهوى وأعداء الدين، من أجلنا ولوجهنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا. وذلك بالطاعات والمجاهدات وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ أي: أعمالهم بالنصر والمعونة.
تم الجزء السابع ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وفيه:
(٣٠- سورة الروم، ٣١- سورة لقمان، ٣٢- سورة السجدة، ٣٣- سورة الأحزاب، ٣٤- سورة سبأ، ٣٥- سورة فاطر، ٣٦- سورة ياسين، ٣٧- سورة الصافات، ٣٨- سورة ص، ٣٩- سورة الزمر، ٤٠- سورة غافر، ٤١- سورة فصلت، ٤٢- سورة الشورى، ٤٣- سورة الزخرف، ٤٤- سورة الدخان، ٤٥- الجاثية، ٤٦- سورة الأحقاف، ٤٧- سورة محمد صلى الله عليه وسلم، ٤٨- سورة الفتح، ٤٩- سورة الحجرات).
565
فهرس الجزء السابع
سورة الكهف الآيات ١- ٣ ٤ الآية ٤ ٥ الآيتان ٥ و ٦ ٦ الآيات ٧- ١٠ ٧ الآيات ١١- ١٣ ٨ الآية ١٤ ٩ الآيتان ١٥ و ١٦ ١٠ الآية ١٧ ١١ الآية ١٨ ١٢ الآية ١٩ ١٣ الآية ٢٠ ١٤ الآية ٢١ ١٥ الآية ٢٢ ١٨ الآيتان ٢٣ و ٢٤ ٢٢ الآيتان ٢٥ و ٢٦ ٢٤ الآية ٢٧ ٢٦ الآية ٢٨ ٢٩ الآية ٢٩ ٣٠ الآيات ٣٠- ٣٤ ٣٢ الآيتان ٣٥ و ٣٦ ٣٣ الآيتان ٣٧ و ٣٨ ٣٤ الآيات ٣٩- ٤١ ٣٥ الآيتان ٤٢ و ٤٣ ٣٦ الآية ٤٤ ٣٧ الآية ٤٥ ٣٨ الآية ٤٦ ٣٩ الآيتان ٤٧ و ٤٨ ٤٠ الآية ٤٩ ٤١ الآيتان ٥٠ و ٥١ ٤٢ الآيتان ٥٢ و ٥٣ ٤٣ الآيات ٥٤- ٥٦ ٤٤ الآيتان ٥٧ و ٥٨ ٤٥ الآيتان ٥٩ و ٦٠ ٤٦ الآيات ٦١- ٦٣ ٤٧ الآيات ٦٤- ٦٨ ٤٨ الآيات ٦٩- ٧٢ ٤٩
567
الآيات ٧٣- ٧٦ ٥٠ الآيتان ٧٧ و ٧٨ ٥١ الآيات ٧٩- ٨٢ ٥٢ الآيات ٨٣- ٨٦ ٦٤ الآيات ٨٧- ٩٠ ٦٥ الآيات ٩١- ٩٥ ٦٦ الآيات ٩٦- ٩٨ ٦٧ الآيات ٩٩- ١٠١ ٧٨ الآية ١٠٢ ٧٩ الآيات ١٠٣- ١٠٩ ٨٠ الآية ١١٠ ٨٢ سورة مريم الآيات ١- ٤ ٨٤ الآيتان ٥ و ٦ ٨٥ الآيات ٧- ٩ ٨٦ الآيتان ١٠- ١١ ٨٧ الآيات ١٢- ١٦ ٨٨ الآيات ١٧- ٢٠ ٨٩ الآيتان ٢١ و ٢٢ ٩٠ الآيات ٢٣- ٢٥ ٩١ الآيات ٢٦- ٢٨ ٩٢ الآيات ٢٩- ٣٦ ٩٣ الآيتان ٣٧ و ٣٨ ٩٧ الآيات ٣٩- ٤٢ ٩٩ الآيات ٤٣- ٤٥ ١٠٠ الآيتان ٤٦ و ٤٧ ١٠١ الآيتان ٤٨ و ٤٩ ١٠٢ الآيات ٥٠- ٥٥ ١٠٣ الآيات ٥٦- ٥٨ ١٠٤ الآية ٥٩ ١٠٥ الآيات ٦٠- ٦٣ ١٠٦ الآيات ٦٤- ٦٦ ١٠٧ الآيات ٦٧- ٧٠ ١٠٨ الآيات ٧١- ٧٣ ١٠٩ الآيات ٧٤- ٧٦ ١١٠ الآيات ٧٧- ٨٠ ١١١ الآيات ٨١- ٨٣ ١١٢ الآيات ٨٤- ٨٧ ١١٣ الآيات ٨٨- ٩٣ ١١٤ الآيات ٩٤- ٩٧ ١١٥ الآية ٩٨ ١١٦ سورة طه الآيات ١- ٣ ١١٨ الآيات ٤- ٧ ١١٩
568
الآيات ٨- ١٢ ١٢٠ الآيات ١٣- ١٥ ١٢١ الآيات ١٦- ١٨ ١٢٢ الآيات ١٩- ٢٤ ١٢٣ الآيات ٢٥- ٣٧ ١٢٤ الآيات ٣٨- ٤٠ ١٢٥ الآيتان ٤١ و ٤٢ ١٢٦ الآيات ٤٣- ٤٦ ١٢٧ الآيات ٤٧- ٥٢ ١٢٨ الآية ٥٣ ١٢٩ الآيات ٥٤- ٦٠ ١٣٠ الآيات ٦١- ٦٣ ١٣١ الآية ٦٤ ١٣٣ الآيات ٦٥- ٧١ ١٣٤ الآيتان ٧٢ و ٧٣ ١٣٥ الآيات ٧٤- ٧٦ ١٣٦ الآيات ٧٧- ٧٩ ١٣٨ الآيات ٨٠- ٨٢ ١٣٩ الآيات ٨٣- ٨٥ ١٤٠ الآيات ٨٦- ٨٨ ١٤١ الآيات ٨٩- ٩٣ ١٤٢ الآيات ٩٤- ٩٧ ١٤٣ الآية ٩٧ ١٤٤ الآية ٩٨ ١٤٥ الآيات ٩٩- ١٠٣ ١٤٦ الآية ١٠٤ ١٤٧ الآيات ١٠٥- ١٠٩ ١٤٨ الآيات ١١٠- ١١٤ ١٤٩ الآيات ١١٥- ١١٧ ١٥٠ الآيتان ١١٨ و ١١٩ ١٥١ الآيات ١٢٠- ١٢٣ ١٥٢ الآيات ١٢٤- ١٢٧ ١٥٣ الآيتان ١٢٨ و ١٢٩ ١٦٤ الآية ١٣٠ ١٦٥ الآية ١٣١ ١٦٦ الآية ١٣٢ ١٦٧ الآية ١٣٣ ١٦٨ الآيتان ١٣٤ و ١٣٥ ١٧١ سورة الأنبياء الآيتان ١ و ٢ ١٧٣ الآية ٣ ١٧٦ الآيات ٤- ٦ ١٧٧ الآيتان ٧ و ٨ ١٧٨ الآيتان ٩ و ١٠ ١٧٩
569
الآيات ١١- ١٦ ١٨٠ الآيتان ١٧ و ١٨ ١٨١ الآيات ١٩- ٢١ ١٨٢ الآية ٢٢ ١٨٣ الآيتان ٢٣ و ٢٤ ١٨٧ الآيات ٢٥- ٢٧ ١٨٨ الآيتان ٢٨ و ٢٩ ١٨٩ الآية ٣٠ ١٩٠ الآية ٣١ ١٩١ الآيتان ٣٢ و ٣٣ ١٩٢ الآيتان ٣٤ و ٣٥ ١٩٣ الآيتان ٣٦ و ٣٧ ١٩٤ الآيات ٣٨- ٤١ ١٩٥ الآيتان ٤٢ و ٤٣ ١٩٦ الآيات ٤٤- ٤٥ ١٩٧ الآيات ٤٦- ٤٩ ١٩٨ الآيات ٥٠- ٥٢ ١٩٩ الآيات ٥٣- ٥٧ ٢٠٠ الآيات ٥٨- ٦٣ ٢٠١ الآية ٦٤ ٢٠٢ الآيات ٦٥- ٦٧ ٢٠٣ الآيتان ٦٨ و ٦٩ ٢٠٤ الآيات ٧٠- ٧٣ ٢٠٥ الآيات ٧٤- ٧٧ ٢٠٦ الآيتان ٧٨ و ٧٩ ٢٠٧ الآية ٨٠ ٢١١ الآيتان ٨١ و ٨٢ ٢١٢ الآيتان ٨٣ و ٨٤ ٢١٣ الآيتان ٨٥ و ٨٦ ٢١٤ الآيتان ٨٧ و ٨٨ ٢١٥ الآيتان ٨٩ و ٩٠ ٢١٩ الآية ٩١ ٢٢٠ الآيتان ٩٢ و ٩٣ ٢٢١ الآيتان ٩٤ و ٩٥ ٢٢٢ الآيتان ٩٦ و ٩٧ ٢٢٣ الآيات ٩٨- ١٠٣ ٢٢٤ الآيات ١٠٤- ١٠٧ ٢٢٥ الآيات ١٠٨- ١١٢ ٢٢٧ سورة الحج الآية ١ ٢٣٠ الآيتان ٢ و ٣ ٢٣١ الآيتان ٤ و ٥ ٢٣٢ الآيتان ٦ و ٧ ٢٣٣ الآيات ٨- ١٠ ٢٣٤
570
الآيتان ١١ و ١٢ ٢٣٥ الآيتان ١٣ و ١٤ ٢٣٦ الآيات ١٥- ١٧ ٢٣٧ الآيتان ١٨ و ١٩ ٢٣٨ الآيات ٢٠- ٢٥ ٢٣٩ الآيات ٢٦- ٢٨ ٢٤٠ الآيات ٢٩- ٣١ ٢٤٢ الآية ٣٢ ٢٤٥ الآيتان ٣٣ و ٣٤ ٢٤٦ الآيتان ٣٥ و ٣٦ ٢٤٧ الآيتان ٣٧ و ٣٨ ٢٤٨ الآيتان ٣٩ و ٤٠ ٢٤٩ الآيات ٤١- ٤٤ ٢٥٠ الآيتان ٤٥ و ٤٦ ٢٥١ الآيتان ٤٧ و ٤٨ ٢٥٢ الآيات ٤٩- ٥١ ٢٥٣ الآيات ٥٢- ٥٤ ٢٥٤ الآيتان ٥٥ و ٥٦ ٢٧٠ الآيات ٥٧- ٦٠ ٢٧١ الآيات ٦١- ٦٥ ٢٧٢ الآيتان ٦٦ و ٦٧ ٢٧٣ الآيات ٦٨- ٧٤ ٢٧٤ الآيتان ٧٥ و ٧٦ ٢٧٥ الآية ٧٧ ٢٧٦ الآية ٧٨ ٢٧٨ سورة المؤمنون الآيات ١- ٧ ٢٨١ الآيات ٨- ١١ ٢٨٣ الآيات ١٢- ١٧ ٢٨٤ الآيات ١٨- ٢٠ ٢٨٥ الآيتان ٢١ و ٢٢ ٢٨٦ الآيات ٢٣- ٢٥ ٢٨٧ الآيات ٢٦- ٣٠ ٢٨٨ الآيات ٣١- ٤١ ٢٨٩ الآيات ٤٢- ٤٨ ٢٩٠ الآيات ٤٩- ٥١ ٢٩١ الآيات ٥٢- ٥٦ ٢٩٢ الآيات ٥٧- ٦١ ٢٩٣ الآيتان ٦٢ و ٦٣ ٢٩٤ الآيات ٦٤- ٦٧ ٢٩٥ الآيات ٦٨- ٧٠ ٢٩٦ الآيات ٧١- ٧٤ ٢٩٧ الآيتان ٧٥ و ٧٦ ٢٩٨ الآيات ٧٧- ٨١ ٢٩٩
571
الآيات ٨٢- ٨٩ ٣٠٠ الآيات ٩٠- ١٠٠ ٣٠١ الآية ١٠١ ٣٠٢ الآيات ١٠٢- ١٠٤ ٣٠٣ الآيات ١٠٥- ١١٤ ٣٠٤ الآيات ١١٥- ١١٨ ٣٠٥ سورة النور الآية ١ ٣٠٨ الآية ٢ ٣١٠ الآية ٣ ٣٢٢ الآيتان ٤ و ٥ ٣٢٧ الآيتان ٦ و ٧ ٣٣٢ الآيات ٨- ١٠ ٣٣٣ الآية ١١ ٣٣٦ الآيتان ١٢ و ١٣ ٣٣٧ الآيتان ١٤ و ١٥ ٣٣٨ الآيات ١٦- ١٩ ٣٣٩ الآيات ٢٠- ٢٢ ٢٤٠ الآيات ٢٣- ٢٥ ٢٤١ الآية ٢٦ ٣٤٢ الآيتان ٢٧ و ٢٨ ٣٦٨ الآيتان ٢٩ و ٣٠ ٣٧٠ الآية ٣١ ٣٧٤ الآية ٣٢ ٣٨٠ الآية ٣٣ ٣٨٢ الآية ٣٤ ٣٨٥ الآية ٣٥ ٣٨٦ الآيات ٣٦- ٣٨ ٣٩٠ الآية ٣٩ ٣٩٢ الآية ٤٠ ٣٩٣ الآيتان ٤١ و ٤٢ ٣٩٨ الآيتان ٤٣ و ٤٤ ٣٩٩ الآيات ٤٥- ٥٠ ٤٠٠ الآيات ٥١- ٥٣ ٤٠١ الآية ٥٤ ٤٠٢ الآيات ٥٥- ٥٧ ٤٠٣ الآية ٥٨ ٤٠٤ الآية ٥٩ ٤٠٥ الآية ٦٠ ٤٠٦ الآية ٦١ ٤٠٧ الآية ٦٢ ٤١١ الآية ٦٣ ٤١٢ الآية ٦٤ ٤١٤
572
سورة الفرقان الآية ١ ٤١٦ الآيات ٢- ٥ ٤١٧ الآية ٦ ٤١٨ الآيتان ٧ و ٨ ٤١٩ الآيات ٩- ١١ ٤٢٠ الآيات ١٢- ١٤ ٤٢١ الآيات ١٥- ١٨ ٤٢٢ الآيتان ١٩ و ٢٠ ٤٢٣ الآيات ٢١- ٢٣ ٤٢٤ الآيات ٢٤- ٣٠ ٤٢٥ الآية ٣١ ٤٢٦ الآيات ٣٢- ٣٦ ٤٢٧ الآيات ٣٧- ٤٢ ٤٢٨ الآيتان ٤٣ و ٤٤ ٤٢٩ الآيات ٤٥- ٤٩ ٤٣٠ الآيات ٥٠- ٥٢ ٤٣١ الآية ٥٣ ٤٣٢ الآيات ٥٤- ٥٧ ٤٣٣ الآيتان ٥٨ و ٥٩ ٤٣٤ الآيات ٦٠- ٦٢ ٤٣٥ الآيات ٦٣- ٦٦ ٤٣٦ الآيات ٦٧- ٧٠ ٤٣٧ الآية ٧١ ٤٤٣ الآيتان ٧٢ و ٧٣ ٤٤٤ الآيات ٧٤- ٧٧ ٤٤٥ سورة الشعراء الآيات ١- ٤ ٤٤٨ الآيات ٥- ٩ ٤٤٩ الآيات ١٠- ١٩ ٤٥٠ الآيات ٢٠- ٢٥ ٤٥١ الآيات ٢٦- ٢٨ ٤٥٢ الآيات ٢٩- ٣٩ ٤٥٥ الآيات ٤٠- ٥٠ ٤٥٦ الآيات ٥١- ٥٨ ٤٥٧ الآيات ٥٩- ٦٣ ٤٥٨ الآيات ٦٤- ٨١ ٤٥٩ الآيات ٨٢- ٨٤ ٤٦١ الآيات ٨٥- ٨٩ ٤٦٢ الآيات ٩٠- ٩٤ ٤٦٣ الآيات ٩٥- ١٠٤ ٤٦٤ الآيات ١٠٥- ١١٢ ٤٦٥ الآيات ١١٣- ١٢٨ ٤٦٦ الآيات ١٢٩- ١٣٥ ٤٦٧
573
الآيات ١٣٦- ١٤٦ ٤٦٨ الآيات ١٤٧- ١٦٦ ٤٦٩ الآية ١٦٧ ٤٧٠ الآيات ١٦٨- ١٧٢ ٤٧١ الآيات ١٧٣- ١٧٦ ٤٧٢ الآيات ١٧٧- ١٨٨ ٤٧٣ الآيات ١٨٩- ١٩١ ٤٧٤ الآيات ١٩٢- ١٩٧ ٤٧٥ الآيات ١٩٨- ٢١٣ ٤٧٦ الآيات ٢١٤- ٢٢٢ ٤٧٧ الآيات ٢٢٣- ٢٢٦ ٤٧٨ الآية ٢٢٦ ٤٧٩ الآية ٢٢٧ ٤٨٠ سورة النمل الآيات ١- ٣ ٤٨٤ الآيات ٤- ٨ ٤٨٥ الآيات ٩- ١٢ ٤٨٧ الآيات ١٣- ١٦ ٤٨٨ الآيات ١٧- ٢٥ ٤٨٩ الآية ٢٦ ٤٩٠ الآيات ٢٧- ٣٥ ٤٩١ الآيات ٣٦- ٤٢ ٤٩٢ الآيتان ٤٣ و ٤٤ ٤٩٤ الآيات ٤٥- ٤٧ ٤٩٦ الآيات ٤٨- ٥٩ ٤٩٧ الآيات ٦٠- ٦٣ ٥٠٠ الآيتان ٦٤ و ٦٥ ٥٠١ الآية ٦٦ ٥٠٢ الآيات ٦٧- ٧٠ ٥٠٣ الآيات ٧١- ٧٦ ٥٠٤ الآيات ٧٧- ٨١ ٥٠٥ الآية ٨٢ ٥٠٦ الآيتان ٨٣ و ٨٤ ٥٠٧ الآيات ٨٥- ٨٩ ٥٠٨ الآيات ٩٠- ٩٣ ٥١١ سورة القصص الآيات ١- ٨ ٥١٤ الآيات ٩- ١١ ٥١٥ الآيات ١٢- ١٧ ٥١٦ الآيات ١٨- ٢٣ ٥١٧ الآيتان ٢٤ و ٢٥ ٥١٨ الآيات ٢٦- ٢٨ ٥١٩ الآيات ٢٩- ٣٢ ٥٢٠ الآيات ٣٢- ٣٥ ٥٢١
574
الآيات ٣٦- ٣٨ ٥٢٢ الآيات ٣٩- ٤٣ ٥٢٣ الآيات ٤٤- ٤٨ ٥٢٤ الآيتان ٤٩ و ٥٠ ٥٢٥ الآيات ٥١- ٥٥ ٥٢٦ الآيات ٥٦- ٥٨ ٥٢٨ الآيات ٥٩- ٦٦ ٥٣٠ الآيات ٦٦- ٦٨ ٥٣١ الآيات ٦٩- ٧٢ ٥٣٥ الآيات ٧٢- ٧٦ ٥٣٦ الآيات ٧٧- ٨٢ ٥٣٧ الآيات ٨٣- ٨٥ ٥٤٠ الآيتان ٨٥ و ٨٦ ٥٤١ الآيتان ٨٧ و ٨٨ ٥٤٢ سورة العنكبوت الآيات ١- ٣ ٥٤٥ الآيات ٤- ٧ ٥٤٦ الآيتان ٨ و ٩ ٥٤٧ الآيات ١٠- ١٣ ٥٤٨ الآيات ١٤- ١٩ ٥٤٩ الآيات ٢٠- ٢٤ ٥٥٠ الآيات ٢٥- ٢٩ ٥٥١ الآيات ٣٠- ٣٣ ٥٥٣ الآيات ٣٤- ٣٨ ٥٥٤ الآيات ٣٩- ٤٤ ٥٥٥ الآيتان ٤٥ و ٤٦ ٥٥٦ الآيتان ٤٧ و ٤٨ ٥٥٩ الآيتان ٤٩ و ٥٠ ٥٦٠ الآيات ٥١- ٥٦ ٥٦١ الآيات ٥٧- ٦١ ٥٦٣ الآيات ٦٢- ٦٧ ٥٦٤ الآيتان ٦٨ و ٦٩ ٥٦٥
575
الجزء الثامن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سورة الروم
قال المهايميّ: سميت بها لاشتمال قصتها على معجزة تفيد للمؤمنين فرحا عظيما، بعد ترح يسير. فتبطل شماتة أعدائهم. وتدل على أن عاقبة الأمر لهم. وهذا من أعظم مقاصد القرآن.
وهي مكية. وآيها ستون آية.
3
Icon