تفسير سورة سورة العنكبوت
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
" واللام " تشير إلى معنى أنه ما من حرفٍ إلا وفي آخره صورة تعويج ما، واللام أقرب الحروف شبهاً بالألف - فهي منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شيء ولكن اللام تتصل بغيرها - فلا جَرَمَ لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام.
أمّا " الميم " فالإشارة فيه إلى الحرف " مِنْ " ؛ فَمِنَ الربِّ الخَلْقُ، ومِنَ العبدِ خدمةُ الحق، ومن الربِّ الطَّوْلُ والفضلُ.
ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات. وأشدُّ الفتنِ حفظُ وجود التوحيد لئلا يجري عليك مَكْرٌ في أوقات غَلَبَاتِ شاهد الحقِّ فيظن أنه الحق، ولا يدري أَنَّه من الحقِّ، وأنَّه لا يُقال إِنَّه الحقُّ - وعزيزٌ مَنْ يهتدي إلى ذلك.
ويقال توهموا أنه لا حَشْرَ ولا نَشْرَ، ولا محاسبة ولا مطالبة.
ويقال اغتروا بإمهالنا اليومَ، وَتَوَهَّموا أنهم مِنَّا قد أفلتوا، وظنوا أنهم قد أَمِنُوا.
ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئاتِ أَنْ جرى التقريرُ لهم بالسعادة، وأنَّ ذلك يؤخر حُكْمَنا.. كلا، فلا يشقى مَنْ جَرَتْ قسمتُنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول مَنْ سبق له الحُكْمُ بالشقاوة !.
وَهُوَ السَّمِيعُ لأنين المشتاقين، الْعَلِيمُ بحنين المحبين الوالهين.
ويقال ثوابُ المطيعين إليهم مصروفٌ، وعذابُ العاصين عليهم موقوفٌ.. والحقُّ عزيزٌ لا يلحقه بالوفاق زَيْن، ولا يَمَسُّه من الشِّقاقِ شَيْنٌ.
قوله جلّ ذكره : وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَُأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
إنْ جاهداك على أن تُشْرِكَ بالله فإياك أَنْ تطيعَهما، ولكن رُدَّ بِلُطْفٍ، وخالِفْ برفْقٍ.
والمؤمن مَنْ يَكفُّ الأذى، ويتحمل من الخَلْقِ الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير شكوى ولا إظهار ؛ كالأرض يُلْقَى عليها كلٌّ خبيث فتُنْبِتُ كلَّ خضرة وكل نزهة.
| إذا اشتبكت دموعٌ في خدود | تَبَيَّنَ مَنْ بكى ممن تباكى |
| مَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه | فَضَح الامتحانُ ما يَدَّعيه |
وبيَّنَ أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق فقال : فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ لتَصِلوا إلى خير الدارْين.
وابتغاءُ الرزق من الله إدامةُ الصلاة ؛ فإن الصلاةَ استفتاحُ بابِ الرزق، قال تعالى :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً [ طه : ١٣٢ ].
ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى في استجلاب الرزق.
وفي الآية تقديمٌ الرزقُ على الأمر بالعبادة ؛ لأنه لا يُمْكِنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر ؛ فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة، قالوا :
| إذا المرءُ لم يطلب معاشاً لنفسه | فمكروهَ ما يلقى يكون جزاؤه |
وفيما حلَّ بالمكذِّبين من العقوبة ما ينبغي أن يكون عِبْرَةً لِمَنْ بعدهم.
وكما في فصول السنة تتكرر أحوالُ العِبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة.. كذلك تتكرر عليهم الأحوال.
وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا :
| كلُّ نَهرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى | فإليه الماءُ يوماً سيعود |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَإِنَّهُ في الآخرة لَمِنَ الصَّالِحِينَ للدنوِّ والزلفة والتخصيص بالقربة.
فما كان جوابُهم إلا استعجالَ العقوبة، فحلَّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من شاركهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ويقال أقربُ ما يكون العبد في البلاء من الفرج إذا اشتدَّ عليه البلاءُ ؛ فعند ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مُضْطّراً، واللَّهُ سبحانه وَعََدَ المضطرين وشيك الإجابة. كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذَرْعاً ثم لم يلبث أَنْ وَجَدَ الخلاصَ من ضيقة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وبيتُ العنكبوتِ أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقِيّةِ والكتمان، وأمَّا المؤمِن فظاهِرُ المعاملةِ، لا ستر ولا يُدْخِمس.
وبيتُ العنكبوت أوهنُ البيوت لأنه بلا أساسٍ ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أَدْوَن دَفْع.. كذلك الكافر ؛ لا أصلَ لشأنه، ولا أساسَ لبنيانه، يرى شيئاً ولكن بالتخييل، فأمَّاً في التحقيق.. فَلاَ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
[ المائدة : ٢٣ ] أي ينبغي للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قُدِّرَ أن واحداً منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الإيمان - كذلك من لم ينتهِ عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة.
ويقال بل الصلاةُ الحقيقية ما تكون ناهيةً لصاحبها عن الفحشاء والمنكر ؛ فإن لم يكن من العبد انتهاءٌ فالصلاةُ ناهيةٌ على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل، ولكنه يُصِرًّ ولا يطيع تلك الخواطر.
ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان - وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها.
ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النّفْس.
ويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ.
ويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبانُ النجاة بها، وقيل ملاحظتُه الأعواض عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها.
ويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العِوض عليها.
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ : ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين ؛ لأن ذكره قديم وذكر الخلْق مُحْدَث.
ويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأَشياء الأخرى، لأن ذكره لله طاعة، وذكره لغيره لا يكون طاعة.
ويقال ولذِكْرُ اللَّهِ لَك أكبرُ من ذكرْك له.
ويقال ذكْرهُ لك بالسعادة أكبرُ من ذكْرك له بالعبادة.
ويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة.
ويقال ذكر الله أكبر من أن يُبْقى للذاكر معه ذِكْر مخلوق.
ويقال ذكر الله أبر من أن يُبْقى للزّلةِ معلوماً أو مرسوماً.
ويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحدٌ من المخلوقين بغيره.
ويقال ولذكر الله أكبر من أن يُبْقَى معه للفحشاء والمنكر سلطاناً ؛ فلِحُرمه ذكره زَلاَّتُ الذاكر مغفورةٌ، وعيوبه مستورةٌ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| وإذا ما جُفِيتُ كنتُ حَرِيَّاً | أنْ أُرى غيرَ مُصْبِح حيثُ أُمْسِي |
لو قال لي مُتْ مِتُّ سمعاً وطاعةً *** وقلتُ لداعي الموت : أهلاً ومرحبا
والصبرُ الوقوفُ مع الله بشرط سقوط الفكرة.
الصبرُ العكوفُ في أوطان الوفاء، الصبر حَبْسُ النَّفْسِ على فِطامها.
الصبر تجرُّعُ كاساتِ التقدير من غير تعبيس.
الصبر صفة توجب معيَّةَ الحقِّ... وأَعْزِزْ بها !
وأولُ الصبرِ تصبُّرٌ بتكلفٍ، ثم صبرٌ بسهولة، ثم اصطبارٌ وهو ممزوج بالراحة، ثم تحقُّقٌ بوصف الرضا ؛ فيصير العبدُ فيه محمولاً بعد أن كان مُتَحَمّلاً.
والتوكلُ انتظارٌ مع استبشار، والتوكلُ سكونُ السِّرِّ إلى الله، التوكلُ استقلالٌ بحقيقة التوكل ؛ فلا تتبرَّم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك. التوكل إعراضُ القلب عن غير الرَّب.
ويقال : لاَّ تَحِْمِلُ رِزْقَهَا المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم، وليس لها بيت تجمع فيه القوت، وليس لها خازن ولا وكيل.. الله يرزقها وإياكم.
ويقال إرادةُ اللَّهِ في أن يستبقيكَ ولا يقبض رُوحَك أقوى وأتمُّ وأكبرُ من تَعَنَّيك لأَجْلِ بقائك.. فلا ينبغي أَنْ يكونَ اهتمامُكَ بسبب عَيْشِك أتمَّ وأكبرَ من تدبير صانعك لأجل بقائك.
هذه مناقَضَةٌ ظاهرة !
| إذا ارعوى عاد إلى جهله | كذي الضنى عاد إلى نُكْسِه |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ويقال الجهاد فيه : أولاً بترك المحرَّمات، ثم بترك الشُّبُهات، ثم بترك الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقِّي من الشواغل في جميع الأوقات.
ويقال بحفظ الحواسُ لله، وبِعَدُ الأنفاس مع الله.
تم عرض جميع الآيات
68 مقطع من التفسير