تفسير سورة سورة القيامة

أبو بكر الحداد اليمني

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل

أبو بكر الحداد اليمني (ت 800 هـ)

آية رقم ١
معناهُ: أُقسِمُ بيومِ القيامةِ، و(لاَ) صلةٌ. وقال الفرَّاء: ( ﴿ لاَ ﴾ رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ أنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ) ويدلُّ على معنى إثباتِ القَسمِ، قراءةُ الحسنِ والأعرج بغيرِ ألفٍ، وتقديرهُ على هذه القراءة: لأُقْسِمَنَّ فحُذفت النون.
آية رقم ٢
يعني بجميعِ أنفُسِ الخلائقِ؛ لأنه ليس من نَفْسٍِ بارَّةٍ ولا فاجرةٍ إلاَّ وهي تلومُ نفسَها، قال صلى الله عليه وسلم:" لَيْسَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أحَدٌ إلاَّ وَيَلُومُ نَفْسَهُ، إنْ كَانَ مُحْسِناً قَالَ: يَا لَيْتَنِي أزْدَدْتُ، وَإنْ كَانَ مُسِيئاً قَالَ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ "ومعنى: ﴿ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ ﴾: الملومة، وَقِيْلَ: إنَّما سُميت النفسُ لَوَّامَّةً؛ لأنَّها كثيرةُ اللَّومِ لا صبرَ لها على مِحَنِ الدُّنيا وشدائدِها.
الآيات من ٣ إلى ٤
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾؛ يعني الكافرَ بالبعثِ؛ يقولُ: أيَظُنُّ الكافرُ أنْ لن نجمعَ عظامَهُ بعد التفرُّق، ولن نبعثَهُ في الآخرةِ.
﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾؛ بلى بجمعِها قادرين على تسويةِ بَنَانِهِ، قال ابنُ عبَّاس: ((الْمُرَادُ بهِ أبُو جَهْلٍ، يَقُولُ اللهُ لَهُ: أتَحْسَبُ أنْ لَنْ نَبْعَثَكَ)) ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾؛ على ما كانَتْ وإنْ قلَّ عِظَامُها وصَغُرَت فَنردُّها، ونؤَلِّفُ بينها حتى نُسَوِّيَ البَنَانَ، ومَن قدرَ على جمعِ صغار العظام كان على جمعِ كِبارها أقدرَ. وَقِيْلَ: معناهُ: قادرين على أنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ وأناملَهُ، ونجعلَ أصابعَ يديه ورجليهِ شيئاً واحداً كخُفِّ البعيرِ أو ككَفِّ الخنْزِير وكحافرِ الحميرِ، فلا يمكنهُ أن يفعلَ بها شيئاً، ولكن مَنَنَّا عليه ففرَّقنا أصابعَهُ حتى يأخُذ بها ما شاءُ، ويقبضَ إذا شاءَ ويبسطَ إذا شاءَ.
آية رقم ٥
أي بل يريدُ الكافر أن يكذِّبَ بما قُدَّامَهُ من البعثِ، ويقدِّمَ الذنبَ ويؤخِّرَ التوبةَ ويكفُرَ أبداً ما عاشَ، قال ابنُ الأنباريِّ: ((مَعْنَاهُ: مُدَّةَ عُمُرِهِ وَلَيْسَ فِي نِيَّتِهِ أنْ يَتُوبَ)). والمعنى: ما يجهلُ ابن آدم أنَّ ربَّهُ قادرٌ على جمعِ عِظَامهِ بعدَ الموتِ، ولكنَّهُ يريدُ أن يَفجُرَ أمَامَهُ؛ أي بمعنى قُدَّاماً قُدَّاماً في معاصِي الله، رَاكباً رأسَهُ لا يُقلِعُ ولا يتوبُ حتى يأتيَهُ الموتُ على أشرِّ أحوالهِ وأسْوَءِ أعمالهِ.
آية رقم ٦
أي يسألُ متَى يومُ القيامةِ تَكذيباً به، ويقالُ في معنى ﴿ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ أن يعزمَ على الفُجور في مستقبلِ عُمره في أوقاتٍ لعلَّهُ لا يعيشُ فيها، ولا يبلغُ إليها، وأصلُ الفُجُور: الميلُ عن القصدِ، يقال للكافرِ: فاجرٌ، وللمكذِّب بالحقِّ: فاجرٌ.
الآيات من ٧ إلى ١٠
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾؛ معناهُ: إذا حارَ البصرُ وفَزِعَ، وذلك عند رُؤية جهنَّم، وهذا جوابٌ لقولهِ تعالى﴿ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾[القيامة: ٦] فيقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ قرأ نافع بفتحِ الراء من البَرِيقِ، أي يشخَصُ البصرُ إلى ما يتوقَّع من أهوال يوم القيامة، كنظرِ الْمُحتَضِرِ عند نظرهِ إلى الملائكةِ. قوله: ﴿ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ﴾؛ أي وذهبَ ضوءُ القمرِ، والْخُسُوفُ ذهابُ الضَّوءِ.
﴿ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾؛ أي جُمعا في ذهاب نُورهما كالنُّورَين القريبَين، يعني كُوِّرَا يومَ القيامةِ. وَقِيلَ: إنَّهما يُرمى بهما في النار، خُلِقا من النار ثم يَعودان فيها. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾؛ معناهُ: يقولُ الكافر المكذِّبُ بيومِ القيامة: أين المفَرُّ وأين المهرَبُ من الأهوالِ.
آية رقم ١١
أي حَقّاً لا موضعَ يَلِجُ إليه ولا حِصْنَ ولا حِرْزَ. والوَزَرُ في اللغة: كلُّ ما تحصَّنْتَ بهِ، والتجأتَ إليهِ، ومنه الوَزيرُ؛ لأنَّ الناسَ يلتجِئون إليه.
آية رقم ١٢
أي الْمُنتَهَى والمرجِعُ والمصيرُ: وَقِيْلَ: المستقَرُّ موضعُ الحساب. وَقِيْلَ: يعني أنَّ مُستقرَّ المؤمنين الجنَّة، ومستقرَّ الكافرين النارُ.
آية رقم ١٣
أي بما قدَّمَ من طاعةِ الله، وما أخَّر من طاعةِ الله فلم يعمَلْ به، وَقِيْلَ: معناهُ: يُنَبَّؤُ الإنسانُ بأوَّل عمَلهِ وآخرهِ. وَقِيْلَ: بما قدَّم من أموالهِ، وما خلََّفَ للورَثةِ. وَقِيْلَ: بما عَمِلَ في أوَّل عُمره، وما عَمِلَ في آخرِ عُمره.
آية رقم ١٤
يعني أنَّ جَوارحَهُ تشهدُ عليه بما عَمِلَ، فهو شاهدٌ على نفسهِ بشَهادة جوارحهِ، والمعنى: على الإنسانِ رُقَبَاءُ يَشهَدُونَ عليه بعملهِ وإنْ أرخَى سُتُورَهُ وأغلقَ أبوابَهُ، يعني بالرُّقباء سَمْعَهُ وبصرَهُ وذكرَهُ ويديهِ ورجليهِ وجميع جوارحه. ودخولُ الهاء في بصيرةِ لأن المرادَ بالإنسانِ ها هنا الجوارحُ.
آية رقم ١٥
أي ولو اعتذرَ وجادلَ عن نفسهِ لم ينفعْهُ ذلك، وإنِ اعتذرَ فعليه مَن يُكذِّبُ عُذرَهُ. وَقِيْلَ: المعاذيرُ جمع الْمِعْذار وهو السَّترُ، معناه: وإن أسْبَلَ السَّترَ؛ ليَختفي بما عَمِلَ، فإنَّ نفسَهُ شاهدةٌ عليه.
الآيات من ١٦ إلى ١٧
قولهُ تعالى: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾؛ خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا تحرِّكْ بالقرآنِ لسَانَكَ.
﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾؛ بقراءتهِ قبلَ أن يفرُغَ جبريلُ من قراءتهِ عليك، وذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْوَحِيِ لَمْ يَفْرُغْ جِبْرِيلُ مِنْ آخِرِهِ حَتَّى تَلاَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَخَافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ، فَأَعْلَمَهُ اللهُ بقَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾؛ أي إنَّ علينا حفظَهُ في قلبكَ، وتأْلِيفَهُ على ما يأمرهُ الله به، وأعلَمهُ بأنه لا يُنسِيه إيَّاهُ، كما قال تعالى﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾[الأعلى: ٦] فلم ينسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم شَيئاً حتى ماتَ. وعن ابنِ عبِّاس في معنى هذه الآيةِ قال: ((كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شَدَّةً، كَانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَرَاغِ جِبْرِيلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْوَحْيِ مَخَافَةَ أنْ لاَ يَحْفَظَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ الآيَةَ: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ). ومثلُهُ قوله﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾[طه: ١١٤].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ في صَدركَ ﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾ أي إنَّ جبريل يَقرؤُه عليكَ حتى تَحفظََهُ.
الآيات من ١٨ إلى ١٩
قولهُ تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾؛ أي فإذا قرأهُ جبريلُ بأَمرِنا وفرغَ منه، فاقرَأهُ أنتَ إذا فرغَ جبريلُ من قراءتهِ. وَقِيْلَ: معناهُ: فإذا جَمعناهُ، وألقيناهُ فاتَّبع ما فيه من الحلالِ والحرامِ والأمر والنهي. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾؛ أي بيانُ ما أشكَلَ عليك من معانيهِ، وبيانُ مُجمَلاتهِ مثلَ أركانِ الصَّلاة وشُروطِها ونِصَاب الزكاة ومقاديرِها.
الآيات من ٢٠ إلى ٢١
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾؛ معناهُ: كلاَّ لا يُؤمِنُ أبو جهلٍ وأصحابهُ بالقرآنِ وببيانه بل يحبُّون العاجلةَ، يعني كفَّارَ مكَّة يحبُّون الدنيا ويعمَلون لها.
﴿ وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ ﴾؛ ويذرُون العملَ للآخرةِ، فيُؤثِرُون الدُّنيا عليها، وقرأ نافعُ والكوفيون (تُحِبُّونَ) و(تَذرُونَ) بالتاء؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ ﴾.
الآيات من ٢٢ إلى ٢٣
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾؛ معناهُ: وجوهٌ يومَ القيامةِ نَاعِمَةٌ غضَّة حسَنة مضيئةٌ مُسفِرَةٌ مشرقةٌ بنعيمِ الجنَّة، وهي وجوهُ المؤمنين كما قال تعالى﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ﴾[المطففين: ٢٤] وقولهُ تعالى: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾؛ قال الكلبيُّ: ((تَنْظُرُ إلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ لاَ تُحْجَبُ عَنْهُ))، قال مقاتلُ: ((تَنْظُرُ إلَى رَبهَا مُعَايَنَةً)). قال صلى الله عليه وسلم:" إذا دَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُ تَعَالَى: أتُرِيدُونَ شَيْئاً أزيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُنَضِّرْ وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ ألَمْ تُنْجِنَا مِنَ النَّار؟ قالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِم، يَنْظُرُونَ إلَى اللهِ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ بلاَ كَيْفٍ وَلاَ تَحْدِيدٍ، كَمَا عَرَفَتْهُ الْقُلُوبُ بلاَ كَيْفٍ وَلاَ تَشْبيهٍ ". وعن عبدِالله بن عمرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" إنَّ أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً أنْ يَنْظُرَ فِي مُلْكِهِ ألْفَ سَنَةٍ يَرَى أقْصَاهُ كَمَا يَرَى أدْنَاهُ، وَيَنْظُرَ فِي سُرُرهِ وَأزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ، وَإنَّ أفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ إلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ يَوْمٍ نَظْرَتَيْنِ ".
الآيات من ٢٤ إلى ٢٥
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾؛ أي كَالِحَةٌ عابسَةٌ كاشرة مُسودَّةٌ، وهي وجوهُ الكفَّار.
﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾؛ أي تَستَيقِنُ أن يُفعلَ بها داهيةٌ من العذاب، والفَاقِرَةُ: الداهيةُ العظيمة والأمرُ الشديد الذي يَكسِرُ فِقَارَ الظَّهرِ، قال ابنُ زيدٍ ((هِيَ دُخُولُ النَّار)).
الآيات من ٢٦ إلى ٢٧
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾؛ هذا ذكرُ حالِ من يَحضرهُ الموتُ ليَرتَدِعَ الناسُ عمَّا يؤدِّيهم إلى العذاب، والمعنى: إذا بلَغَتِ الرُّوحُ التُّرْقُوَةَ، ويقولُ مَن يحضرُ الميِّتَ من أهلهِ: هل مِن رَاقٍ يُرَقِّيهِ وطبيبٍ يُداويهِ، يطلُبون الأطباءَ؛ ليَكشِفُوا عنه إما بالرُّقَى، أو بالعلاجِ. وقال بعضُهم: هذا من قولِ الملائكةِ؛ لأنَّ النَّفْسَ عندما تُقبض يحضرُها سبعةٌ أملاكٍ من ملائكةِ الرَّحمة، وسبعةُ أملاكٍ من ملائكةِ العذاب أعوانٌ لِمَلَكِ الموتِ، ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ أيُّهم يَرْقَى بروحهِ. والتَّرَاقِي: جمعُ تُرْقُوَةٍ؛ وهي عظمُ وصلٍ بين ثَغرَةِ النَّحرِ والعَاتِقِ، وهما تُرقوتَان عن يمينِ ثَغرَةِ النَّحرِ وعن شِمالها كالْحَوْضَين.
الآيات من ٢٨ إلى ٣٠
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ ﴾؛ أي تَيَقَّنَ عند ذلك المريضُ الذي بلَغت روحهُ تَرَاقِيَهُ أنه الفراقُ من الدُّنيا، ومفارقةُ المالِ والأهل والولدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾؛ أي اجتمعَتْ عليه الشدائدُ والتقَى عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ، وهو في شدَّة كرب الموت وهَوْلِ المطلعِ وآخر شدائدِ الدُّنيا مع أوَّل شدةِ الآخرة. وقال الضحَّاك: ((النَّاسُ يُجَهِّزُونَ بَدَنَهُ، وَالْمَلاَئِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ)). وقال الحسنُ: ((مَعْنَاهُ: وَالْتَفَّتْ سَاقَاهُ فِي الْكَفَنِ يُلَفُّ أحَدُهُمَا إلَى الآخَرِ)). وقال قتادةُ: ((مَاتَتْ سَاقَاهُ فََلَمْ تَحْمِلاَهُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِمَا جَوَّالاً)). قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ ﴾؛ أي إليه المرجعُ والمنتهَى في الآخرةِ إلى حيث يأمرُ اللهُ، إما إلى عِلِّيِّينَ وإمَّا إلى سِجِّين.
الآيات من ٣١ إلى ٣٣
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾؛ يعني أبَا جهلٍ يقولُ اللهُ فيه: لَمْ يصدِّقْ بالقرآنِ، ولم يُصَلِّ للهِ.
﴿ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾؛ أي كذبَ بالقرآنِ وتوَلَّى عن الإيمانِ به، ويدخلُ في هذا كلُّ كافرٍ مثله.
﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴾؛ أي رجعَ إلى أهلهِ يتبَختَرُ في المشي ويختالُ فيه، وأصلهُ: يَتَمَطَّطُ أي يتمَدَّدُ، والْمَطُّ هو الْمَدُّ، وتَمَطَّى الإنسانُ إذا قامَ من منامهِ يَمْتَدُّ، والْمَطِيُّ هو الظهرُ، وتَمَطَّى إذا مَدَّ مَطَاهُ.
الآيات من ٣٤ إلى ٣٥
هذا وعيدٌ عَلى وعيدٍ من الله لأبي جهلٍ، وهذه كلمةٌ موضوعة للتهديدِ والوعيد، والمعنى كأنَّهُ يقولُ لأبي جهلٍ: الويلُ لكَ يومَ تَموتُ، والويلُ لكَ يومَ تُبعَثُ، والويلُ لكَ يومَ تدخلُ النارَ، وَقِيْلَ: المعنى أوْلاَكَ المكروهُ يا أبَا جهلٍ وقَرُبَ منك ما تكرهُ.
آية رقم ٣٦
معناهُ: أيَظُنُّ الكافرُ أن يُترَكَ مُهمَلاً لا يؤمَرُ ولا يُنهَى ولا يُوعَظُ ولا يُتلَى ولا يحاسَبُ بعملهِ في الآخرة، والسُّدَى: الْمُهْمَلُ.
الآيات من ٣٧ إلى ٣٨
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ﴾؛ معناهُ: ألَمْ يَكُ هذا الإنسانُ في ابتداءِ خَلقهِ نُطفَةً من مَنِيٍّ تَصَبُّ في الرَّحمِ، قُرئ (تُمْنَى) يعني النطفةَ، ورُوي (يُمْنَى) بمعنى المنِيِّ. قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ﴾؛ ثم صارَ دَماً مُنعقداً بعدَ النُّطفة.
﴿ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾؛ فخلَقَهُ وسوَّاهُ باليدينِ والرِّجلين والعينينِ والأُذنين إلى أن بلَّغَهُ هذا الحدَّ الذي شاهد، وخَلَقَ منه الروح.
الآيات من ٣٩ إلى ٤٠
قولهُ: ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾؛ أي خَلَقَ من هذه النطفة أولاداً ذُكوراً وإناثاً. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾؛ معناهُ: أليس الَّذي خلقَ الإنسانَ مِن المنِيِّ، ونَقَلَهُ من تلك الأحوالِ إلى هذه الحالةِ قادرٌ على أن يُحييَ الموتَى. والمعنى: مَن قَدَرَ على الابتداءِ، كان على البعثِ أقدرَ بعدَ الموتِ، دلَّهم اللهُ تعالى على البعثِ بابتداء الخلقِ. وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم" أنَّهُ كَانَ إذا خَتَمَ هَذِهِ السُّورَة قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبَلَى "وعن ابنِ عبَّاس رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: ((إذا قَرَأ أحَدُكُمْ ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَلَى)).
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

23 مقطع من التفسير