جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى
﴿فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مّن صَدّ عَنْهُ وَكَفَىَ بِجَهَنّمَ سَعِيراً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : فمن الذين أوتوا الكتاب من يهود بني إسرائيل الذين قال لهم جلّ ثناؤه :{ آمِنوا بِمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فنرُدّها على أدْبارِها { مَنْ آمَنَ بِهِ } يقول : من صدّق بما أنزلنا على محمد ﷺ مصدّقا لما معهم. ﴿ومِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ﴾ ومنهم من أعرض عن التصديق به. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ قال : بما أنزل على محمد من يهود ﴿ومِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد ﷺ من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجَرِ رسول الله ﷺ إنما رفع عنهم وعيد الله الذي توعدهم به، في قوله :﴿آمِنُوا بِمَا نَزّلْنا مُصَدّقا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوها فَنرُدّها على أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهُمْ كمَا لَعَنّا أصحَابَ السّبْتِ وكانَ أمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً﴾ في الدنا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم. وإن الوعيد لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه ﷺ، فلما آمن بعضهم خرجوا من الوعيد الذي توعده في عاجل الدنيا، وأخّرت عقوبة المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم : كفاكم بجهنم سعيرا.
ويعني قوله :﴿وكَفَى بِجَهَنّمَ سَعِيرا﴾ : وحسبكم أيها المكذّبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي بجهنم سعيرا، يعني : بنار جهنم تُسَعّر عليكم : أي توقد عليكم. وقيل :﴿سعيرا﴾ أصله مسعورا، من سعرت تسعر فهي مسعورة، كما قال الله :﴿وَإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ﴾ ولكنها صرفت إلى فعيل، كما قيل : كفّ خضيب ولحية دهين، بمعنى مخضوبة ومدهونة، والسعير : الوقود.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية = وهي قوله:"وآتيناهم ملكًا عظيمًا" = القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال:"يعني ملك سليمان". لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن. (١) لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن الذين أوتوا الكتاب = من يهود بني إسرائيل، الذين قال لهم جل ثناؤه:"آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها" ="مَنْ آمن به"، يقول: من صدَّق بما أنزلنا على محمد ﷺ مصدّقًا لما معهم ="ومنهم من صدّ عنه"، ومنهم من أعرَض عن التصديق به، (٢) كما:-
٩٨٣١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمنهم من آمن به"، قال: بما أنزل على محمد من يهود ="ومنهم من صدّ عنه".
(٢) انظر تفسير"الصد" فيما سلف ٤: ٣٠٠ / ٧: ٥٣.
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله: (آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) في الدنيا، (١) وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فلما آمن بَعضُهم، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيرًا. (٢)
* * *
ويعني بقوله:"وكفى بجهنم سعيرًا"، وحسبكم، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي ="بجهنم سعيرًا"، يعني: بنار جهنم، تُسعَر عليكم = أي: تُوقدُ عليكم.
* * *
= وقيل:"سعيرًا"، أصله"مسعورًا"، من"سُعِرت تُسعَر فهي مسعورة"، كما قال الله: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) [سورة التكوير: ١٢]، ولكنها صرفت إلى"فعيل"، كما قيل:"كف خضيب"، و"لحية دهين"، بمعنى: مخضوبة ومدهونة - و"السعير"، الوقود. (٣)
* * *
(٢) انظر ما سلف ص: ٤٤٥س: ٤ وما بعده.
(٣) انظر تفسير"السعير" فيما سلف: ٣٠.