ورفع أبويه على العرش أي أجلسهما على السرير، والرفع هو النقل من السفل إلى العلو وخروا يعني أبوي يوسف وإخوته له سجدا لم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض إنما الإنحناء والتواضع يعني تواضعوا ليوسف، وقيل : وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم لا على طريق العبادة، وكانت تحية الناس يومئذ السجود، وكان ذلك جائزا في الأمم السابقة فنسخت في هذه الشريعة، وروي عن ابن عبا س أنه قال : معناه خروا لله سجدا وشكرا بين يدي يوسف والضمير في له يرجع إلى الله، قلت : كان يوسف جعل قبلة بإذن الله تعالى كالكعبة لنا، وكما جعل آدم قبلة للملائكة حين أمروا بالسجود لآدم، وقيل معناه وخروا له أي لأجل يوسف ولقائه، سجدوا لله تعالى شكرا والأول أصح، والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما وقال يوسف عند ذلك يا أبتي هذا تأويل رؤياي من قبل التي رأيتها أيام الصبا إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (١) قد جعلها ربي حقا صدقا وقد أحسن بي فتح الياء نافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون يعني قد أنعم علي إذ أخرجني من السجن ولم يذكر الجب مع كونه أشد من السجن استعمالا للكرام كيلا يخجل إخوته بعد ما قال : لا تثريب عليكم (٢) ولأن نعمة الله في إخراجه من السجن أعظم لأن بعد خروجه من الجب صار إلى العبودية والرق وابتلى بمكر النساء، وبعد خروجه من السجن صار ملكا وجاء بكم من البدو البدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم وكانوا أهل بادية والمواشي من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي فتح الياء ورش وأسكنها الباقون، أي أفسد بيننا بالحسد وجرش من نزع الرابض الدابة إذا نحنها وحملها على الجري إن ربي لطيف تدبيره لما يشاء إذ ما من صعب إلا وينفذ مشيئته به ويتسهل دونها، وقال البغوي ذو لطف، وحقيقة اللطيف الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق إنه هو العليم بوجوه المصالح والتدابير الحكيم الذي يفعل كل شيء في وقت وعلى وجه يقتضيهما الحكمة.
قال البيضاوي روي أن يوسف طاف بأبيه عليهما السلام في خزانه، فلما دخل خزينة القرطاس، قال : يا بني ما أغفلك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي علي ثمان مراحل قال : أمرني جبرئيل عليه السلام قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط مني إليه فسأله، فقال جبرئيل عليه السلام الله أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب (٣) قال الله : فهلا خفتني. قال البغوي قال أهل التاريخ أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش ثم مات بمصر، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ومضى به حتى دفنه بالشام ثم انصرف إلى مصر، أخرج أحمد في الزهد عن مالك أن يعقوب لما ثقل قال لابنه يوسف أدخل يدك تحت صلبي واحلف لي برب يعقوب لتدفنني مع آبائي قد اشتركتهم في العمل فأشركني معهم في قبورهم، فلما توفي يعقوب فعل ذلك يوسف حتى أتى به أرض كنعان فدفنه معهم، قال سعيد بن جبير نقل يعقوب في تابوت من ساج إلى البيت المقدس فوافق ذلك يوم مات عيص فدفنا في قبر واحد وكانا ولدا في بطن واحد وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة.
٢ سورة يوسف، الآية: ٩٢..
٣ سورة يوسف، الآية: ١٣..
التفسير المظهري
المظهري