قَوْله تَعَالَى: وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش الرّفْع: هُوَ النَّقْل إِلَى الْعُلُوّ، وضده الْوَضع، وَالْعرش: سَرِير الْملك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ " قيل: أَرَادَ بِهِ سَرِيره (الَّذِي حمل عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن الْكَلَام خرج على وصف التكريم، وَلَا كَرَامَة فِي اهتزاز سَرِيره الَّذِي حمل عَلَيْهِ)، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ " فالعرش فِي هَذَا الْخَبَر هُوَ الْعَرْش الْمَعْرُوف واهتزازه استبشاره لإقبال روح سعد بن معَاذ. وَيجوز أَن يكون المُرَاد
صفحة رقم 66
قد جعلهَا رَبِّي حَقًا وَقد أحسن بِي إِذْ أخرجني من السجْن وَجَاء بكم من البدو من بعد بِذكر الْعَرْش أهل الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، وَالله أعلم.
وَقَوله: وخروا لَهُ سجدا مَعْنَاهُ: وَقَعُوا لَهُ ساجدين، وَاخْتلفُوا فِي هَذِه السَّجْدَة فالأكثرون أَنهم سجدوا لَهُ، [و] كَانَت السَّجْدَة سَجْدَة الْمحبَّة لَا سَجْدَة الْعِبَادَة، وَهُوَ مثل سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ أهل الْعلم: وَكَانَ ذَلِك جَائِز فِي الْأُمَم السالفة، ثمَّ إِن الله تَعَالَى نسخ ذَلِك فِي هَذِه الشَّرِيعَة وأبدل بِالسَّلَامِ، وَقَالَ بَعضهم: أَنهم سجدوا لله لَا ليوسف، وَإِنَّمَا خروا لَهُ سجدا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قدامهم فَحصل سجودهم إِلَيْهِ كَمَا يسْجد إِلَى الْمِحْرَاب والجدار، وَالصَّحِيح هُوَ الأول، هَكَذَا قَالَه أهل الْعلم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ فِي رُؤْيَاهُ: إِنِّي رَأَتْ أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين، فالشمس وَالْقَمَر أَبَوَاهُ، وَأحد عشر كوكبا هم إخْوَته.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ السُّجُود لغير الله؟ وَإِذا جَازَ السُّجُود لغير الله فَلم لَا تجوز الْعِبَادَة لغير الله؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعِبَادَة نِهَايَة التَّعْظِيم، وَنِهَايَة التَّعْظِيم لَا تجوز إِلَّا لله؛ وَأما السُّجُود: نوع تذلل وخضوع بِوَضْع الخد على الأَرْض وَهُوَ دون الْعِبَادَة، فَلم يمْتَنع جَوَازه للبشر كالانحناء.
وَقَالَ بَعضهم: وخروا لَهُ سجدا السُّجُود هَاهُنَا هُوَ الانحناء وَعبر عَنهُ بِالسُّجُود، وَأما حَقِيقَة السُّجُود فَلم تكن. وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ الأول وَالله أعلم.
قَوْله: وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل [تَفْسِير] رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا أَي: صدقا وَقد أحسن بِي أَي: أنعم عَليّ إِذْ أخرجني من السجْن فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ لم يقل: إِذْ أخرجني من الْجب، وَكَانَت المحنة عَلَيْهِ والبلية فِي الْجب أَكثر مِنْهَا فِي السجْن؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه أعرض عَن ذكر
أَن نَزغ الشَّيْطَان يَبْنِي وَبَين إخوتي إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم (١٠٠) رب قد آتيتني من الْملك وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين (١٠١) ذَلِك من أنباء الْغَيْب الْجب تكرما لِأَن لَا يخجل الْإِخْوَة عَنهُ، وَكَانَ قد قَالَ: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم وَفِي إِعَادَته تَثْرِيب وملامة، وَلِأَن النِّعْمَة عَلَيْهِ فِي الْإِخْرَاج من السجْن كَانَت أَكثر؛ لِأَنَّهُ أخرج من الْجب وَجعل عبدا، وَأخرج من السجْن وَجعل ملكا. قَوْله: وَجَاء بكم من البدو البدو: بسيط من الأَرْض يسكنهُ أهل الْمَاشِيَة بماشيتهم، وَقد كَانَ يَعْقُوب وَأَوْلَاده أهل مواشي وَعمد، والعمد: الْخيام، فَلهَذَا قَالَ: وَجَاء بكم من البدو. وَقَوله: من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان مَعْنَاهُ: من بعد أَن أفسد الشَّيْطَان بيني وَبَين إخوتي بِالْحَسَدِ. وَقَوله: إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء اللَّطِيف هُوَ: الرفيق، وَيُقَال معنى الْآيَة: إِن رَبِّي لطيف (بِمن) يَشَاء. وَحَقِيقَة اللَّطِيف هُوَ الَّذِي يُوصل الْإِحْسَان إِلَى غَيره بِرِفْق. وَقَوله: إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم ظَاهر الْمَعْنى.
صفحة رقم 68تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم