ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش أي : أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك.
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَا أي : الأبوان والأخوة، والمعنى : أنهم خرّوا ليوسف سجداً، وكان ذلك جائزاً في شريعتهم منزلاً منزلة التحية ؛ وقيل : لم يكن ذلك سجوداً بل هو مجرد إيماء، وكانت تلك تحيتهم، وهو يخالف معنى : وخرّوا له سجداً، فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلاّ بوضع الوجه على الأرض. وقيل : الضمير في قوله : له راجع إلى الله سبحانه، أي : وخرّوا لله سجداً، وهو بعيد جداً. وقيل : إن الضمير ليوسف، واللام للتعليل أي : وخرّوا لأجله سجداً، وفيه أيضاً بعد ؛ وقال يوسف : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياي يعني : التي تقدّم ذكرها مِن قَبْلُ أي : من قبل هذا الوقت قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا بوقوع تأويلها على ما دلت عليه وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن الأصل أن يتعدّى فعل الإحسان بإلى، وقد يتعدّى بالباء كما في قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا [ الإسراء : ٢٣ ]، وقيل : إنه ضمن أحسن معنى لطف أي : لطف بي محسناً، ولم يذكر إخراجه من الجبّ، لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة، وقد قال : لا تثريب عليكم. وقد تقدّم سبب سجنه ومدّة بقائه فيه ؛ وقد قيل : إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجبّ أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجبّ، وفيه نظر، وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو أي : البادية، وهي أرض كنعان بالشام، وكانوا أهل مواش وبرية، وقيل : إن الله لم يبعث نبياً من البادية، وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له : بدا، وإياه عني جميل بقوله :

وأنت الذي حببت شعباً إلى بدا إليّ وأوطاني بلاد سواهما
وفيه نظر، مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أي : أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، يقال : نزغه : إذا نخسه، فأصله من نخس الدابة ليقوى مشيها. وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرماً منه وتأدّباً إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء اللطيف : الرفيق، قال الأزهري : اللطيف من أسماء الله تعالى معناه : الرفيق بعباده، يقال : لطف فلان بفلان يلطف : إذا رفق به، وقال عمرو بن أبي عمرو : اللطيف : الذي يوصل إليك أربك في لطف. قال الخطابي : اللطيف هو البرّ بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقيل : اللطيف : العالم بدقائق الأمور. ومعنى لما يشاء : لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه الصواب إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم أي : العليم بالأمور، الحكيم في أفعاله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال : دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن مائة وثلاثين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. قال أبو هريرة : وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : آوى إليه أبويه قال : أبوه وأمه ضمهما. وأخرجا عن وهب قال : أبوه وخالته، وكانت توفيت أمّ يوسف في نفاس أخيه بنيامين. وأخرج أبو الشيخ نحوه عن سفيان بن عيينة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش قال : السرير. وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم في قوله : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَا قال : كانت تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد قال : ذلك سجود تشرفة كما سجدت الملائكة تشرفة لآدم، وليس سجود عبادة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله : إِنَّ رَبّي لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء قال : لطيف ليوسف، وصنع له حين أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على إخوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ما سأل نبيّ الوفاة غير يوسف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه قال : اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه، وأن يلحقه بهم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله : وَأَلْحِقْنِي بالصالحين قال : يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : يعني أهل الجنة.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية