و( ما نبغي ) : استفهامية، أو نافية. و( نمير أهلنا ) : عطف على محذوف، أي : ردت فنستظهر بها ونمير. . . الخ. قال في القاموس : مار يَمير ؛ بالكسر : جَلَب الطعام. ه.
ولما فَتحوا متاعَهُم : أوعيتهم، وجدوا بضاعَتَهم رُدت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي أي : ما نطلب، فهل من مزيد على هذه الكرامة، أكرمنا وأحسن مثوانا، وباع منا، ورد علينا متاعنا، ولا نطلب وراء ذلك إحساناً. أو : ما نتعدى في القول، ولا نزيد على ما حكينا لك من إحسانه. أو : ما نبغي على أخينا، ولا نكذب على الملك. هذه بضاعتنا رُدَّتْ إلينا ، وهو توضيح وبيان لقولهم : ما نبغي ، أي : ردت إلينا فنتقوى بها. ونمير أهلَنا : نسوق لهم الميرة وهو : الطعام حين نرجع إلى الملك، ونحفظُ أخانا من المكاره في ذهابنا وإيابنا. . ونزدادُ كيلَ بعيرٍ بزيادة حِمل بعير أخينا، إذ كان يوسف عليه السلام لا يعطي إلا كيل بعير لكل واحد.
ذلك كيلٌ يسير أي : ذلك الطعام الذي أتيناه به شيء قليل لا يكفينا حتى نرجع ويزيدنا كيل أخينا، أوْ ذلك الحِمل الذي يزيدنا لبعير أخينا كيل قليل عنده، يسهل عليه لا يتعاظمه، فلا يمنعنا منه. كأنهم اسْتَقَلَّوا ما كيل لهم ؛ فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. وقيل : إنه من كلام يعقوب عليه السلام، والمعنى : أن حمل بعير شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد.
قوله تعالى : فأرسل معنا أخانا... إلخ ؛ قال الأستاذ القشيري : المحبة غيورٌ ؛ لما كان ليعقوب تَسَلٍّ عن يوسف برؤية بنيامين، أبت المحبة إلا أن تظهر سُلطانها بالكمال فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. هـ. قلت : وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئاً غيره، فإذا رأى أزاله عنه، وفرق بينه وبين ذلك الشيء، حتى لا يُحب شيئاً سوى محبوبه. هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم.
وقوله تعالى في وصية يعقوب : لا تدخلوا من باب واحد ، فيه إشارة إلى أن الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة ؛ كالعزلة فقط، أو الخلطة فقط، أو الصمت على الدوام، أو ذكر الاسم على الدوام.
بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده ؛ فالعزلة على الدوام : مقام الضعف، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفاً حتى يعرف الله، ويكون قلبُه معه في العزلة والخلطة، والصمت والكلام، والقبض والبسط، والفقد والوجد، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة، كما هو مقرر عند أهل الفن.
وقوله تعالى : عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ، فيه تهييج على مقام التوكل، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر :
قوله :" والخلق أربع " : أراد العالم العلوي والسفلي، والدنيا والآخرة. وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها، والوقوف معها. والله تعالى أعلم. تَوَكَّل على الرَّحمان في كُلِّ حَاجَـةٍ وَثِـقْ بالله، دَبَّـر الخلقَ أجمعْ وضَع عَنكَ هَمَّ الرِّزْقِ ؛ فالرَّبُّ ضَامِنٌ وكفّ عن الْكَونَينِ والخلق أَربع
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي