نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:قوله تعالى : وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( ٨٤ ) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ( ٨٥ ) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله :
هذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال :" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب " ١. ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ما هذا ؟ قال :" رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء " ٢.
ومنها حديث أنس قال : شهدنا بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال عليه الصلاة والسلام لعمر إذا نهى النساء عن البكاء :" دعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب " ٣. وكره البكاء من أخذ بظاهر الحديث :" أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه " ٤ وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح ٥. فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في غير ما حديث ٦. واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم ٧ وشريح ٨ وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف ٩ : لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال ١٠ وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له : يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ قال يا رب : خطيئة فاغفرها. قال : غفرتها لك. فكان بعد ذلك أسيل : قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ولما مات سعيد بن أبي الحسن ١١ بكى عليه الحسن حولا. فقيل له : يا أبا سعيد ١٢ تأمرنا بالصبر وتبكي ١٣. قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن١٤. وحكي أنه لم يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرا.
٢ الحديث أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد، في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" ٢/ ٧٩. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٠٤..
٣ الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة، في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت ١/ ٥٠٦. وأحمد في مسنده ٢/ ٢١٠..
٤ أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١/ ٦٤١، ٦٤٢..
٥ في (أ)، (ز): "النواح"..
٦ منها ما رواه مسلم عن أبي سلام عن أبي مالك أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة....". راجع صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة ٣/ ٤٥..
٧ الصلت بن أشيم: لم أقف على ترجمته في كتب التراجم التي وقعت بين يدي..
٨ شريح: هو أمية شريح بن الحارث الكندي. عالما وقاضيا، من كبار التابعين. توفي سنة ٨٧هـ/ ٧٢٩م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٢٤، ٢٢٥..
٩ طلحة بن مطرف: هو طلحة بن مطرف بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الهمداني، أبو محمد. ثقة. توفي سنة ١١٢هـ/ ٧٢٧م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٥/ ٢٦..
١٠ "قال": كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
١١ سعيد بن أبي الحسن: واسمه يسار الأنصاري، مولاه البصري. روى عن علي والعباس وأبي هريرة. توفي سنة ١٠٨هـ/ ٧٢٣م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١٦..
١٢ أبا سعيد: هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد. تابعي. كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه. اشتدت هيبته على الولاة فكان يأمرهم وينهاهم. توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٨م. انظر حلية الأولياء للأصبهاني ٢/ ١٣١..
١٣ في (أ)، (ز): "وتشكو"..
١٤ ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته ٧/ ١٧٨..
أحكام القرآن
ابن الفرس