ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ عَمِيَ بصرُه من ملازمةِ البكاء، فلم يُبْصرْ بهما سِتّ سنينَ.
فَهُوَ كَظِيمٌ حابسٌ حزنَه لا يظهِرُه.
...
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥).
[٨٥] قَالُوا أولادُ يعقوبَ: تَاللَّهِ بمعنى: واللهِ!
تَفْتَأُ أي: لا تزال، وحُذِفَتْ (لا) في هذا الموضعِ منَ القسمِ لدلالةِ الكلامِ عليها؛ تقديرُه: تالله لا تفتأ.
تَذْكُرُ يُوسُفَ لا تفتُرُ من حُبِّهِ.
حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا باليًا من المرضِ.
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ الميتينَ.
...
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦).
[٨٦] قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي هو أشدُّ الحزنِ الذي لا يصبرُ عليه صاحبُه حتى يَبُثَّهُ أو يَشْكُوَهُ.
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ والحزنُ: هو أشدُّ الهَمِّ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ،

= البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٧).

صفحة رقم 453

ويعقوبُ: (حُزْنِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١).
وَأَعْلَمُ يا بنِيَّ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وهو أن رؤيا يوسفَ صادقة وأنه حيٌّ، وأني وأنتم سنسجدُ له.
روُي أنه قيلَ له: يا يعقوبُ! ما الذي أذهبَ بصرَكَ، وقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قالَ: أذهبَ بصري بُكائي على يوسفَ، وقوَّسَ ظهري حُزْني على أخيه، فأوحى الله إليه: أَتشكوني؟! وَعِزَّتي لا أَكْشِفُ ما بِكَ حَتَّى تدعوَني، فقال: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى فأوحى الله إليه: وعِزَّتي لو كانا ميتينِ لأَخْرَجْتُهما لك، وإنما وَجَدْتُ عليكم أنكم ذبحتم شاةً، فقامَ ببابِكم مسكينٌ فلم تُطعموه منها شيئًا، وإنَّ أحبَّ خلقي إليَّ الأنبياءُ، ثم المساكينُ، فاصنعْ طعامًا، فادعُوا عليه المساكينَ، فصنعَ طعامًا، ثم قالَ: من كانَ صائمًا، فليفطرِ الليلةَ عندَ آلِ يعقوبَ.
وقد حُكي أن ابتلاءَ يعقوبَ بيوسفَ كان سببهُ التفاتَه في صلاتِه إليه ويوسفُ نائمٌ؛ محبةً له.
فإن قيل: كيف استجازَ يوسفُ أن يعملَ مثلَ هذا بأبيه، ولم يخبرْه بمكانِه، وحبسَ أخاهُ معَ علمِه بشدةِ وَجْدِ أبيه؛ ففيه معنى العُقوقِ، وقطيعةُ الرحمِ، وقلةُ الشفقةِ؟ فالجوابُ: أنه عملَ ذلكَ بأمرِ الله تعالى، أمرَهُ به ليزيدَ في بلاءِ يعقوبَ، فيضاعِفَ له الأجرَ، ويلحقَه في الدرجةِ بآبائِه الماضين، واللهُ أعلم.

(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٨).

صفحة رقم 454

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي

تحقيق

نور الدين طالب

الناشر دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ)
سنة النشر 1430 - 2009
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 7
التصنيف التفسير
اللغة العربية