ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:م٧٧
وثارت في نفس يعقوب بهذه المناسبة ذكريات ابنه يوسف الذي لم يعد يعرف عنه شيئا منذ فقده في طفولته، وكاد يفقد بصره من شدة الحزن عليه وكثرة البكاء، وهذا الحزن البالغ من طرف يعقوب على ابنه يوسف لا يستغرب منه، إذا تذكرنا أمرين في هذا المقام :
أولهما ما كان عليه ابنه يوسف من الصفات والخصال النادرة التي امتاز بها عن بقية إخوته، حتى قالت في شأنه صاحبات امرأة العزيز ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم مما يحمل أي والد كان على الاهتبال بولد ممتاز من هذا النوع، ويدفعه إلى الشغف به والحزن على فقده إلى أقصى حد.
وثانيهما ما ظنه يعقوب من أنه ارتكب في حق يوسف نوعا من التقصير والإهمال، عندما تركه أول مرة يرافق إخوته في سفرهم، ويوسف لا يزال في سن مبكرة، وهو يعرف أن إخوته يغارون منه أشد الغيرة، وكل واحد من هذين الأمرين كاف لأن يضاعف الكمد ويزيد في الحزن وتولى عنهم أي أعرض عن أبنائه بعدما سمع كلامهم واعتذارهم دون أن يصدقهم فيما قالوا وقال يا أسفي على يوسف، وابيضت عيناه من الحزن أي من البكاء الناشئ عن الحزن العميق، حيث يزداد الضغط على العينين وتبدو العين بيضاء فهو كظيم أي كظم غيظه، وأقبل على الله يشكو إليه دون سواه، لكن أبناءه قاطعوه في غمرة الحزن، خوفا من أن تزداد حالته سوءا بذكر يوسف والأسف عليه، قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أي ضعيف القوة مشرفا على الهلاك أو تكون من الهالكين . فما وسع يعقوب إلا أن رد عليهم في الحين قائلا : قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله و " البث " هنا بمعنى الهم.
وقوله في نفس السياق وأعلم من الله ما لا تعلمون تلويح إلى أنه لن يسيء ظنه بالله، وإشارة إلى شعوره الخاص بأن يوسف لا بد أن يكون على قيد الحياة، ولا بد أن تتحقق رؤياه في يوم من الأيام، مهما كانت الظواهر لا تدل على شيء، ولذلك دعا أبناءه إلى المزيد من البحث عن يوسف وأخيه بنيامين، ونهاهم عن اليأس من رحمة الله، اعتمادا على المعهود من لطفه الخفي بعباده المخلصين يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه و " التحسس " التعرف إلى الشيء عن طريق الحواس، والمراد هنا تتبع أخبار يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله أي من رحمته إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير