| فإنْ أكُ كَاظِمًا لمُصَابِ شَاس | فإني اليَوْمَ منْطَلِقٌ لِسَاني |
٨٥ - قوله تعالى: قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ الآية يقال: لمَ أقسموا على هذا وهم على غير يقين منه أن ينقلب فيترك ذكره؟
قال أبو بكر (٤): لم يقسموا إلا على ما كان صحيحًا في نفوسهم، وتلخيصه: تالله تفعل ذلك عندنا، وفي تقديرنا: فحلفوا على ما تقرر عندهم بالاستدلال، على ما يجوز في معلوم الله أن يتغير.
وقوله تعالى: تَفْتَؤُاْ قال ابن السكيت (٥): يقال: ما زلت أفعله، وما برحت أفعله، وما فتئت أفعله، ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، وقال أبو زيد: يقال: ما فتأت أذكره، أي: ما زلت، وهما لغتان: ما فتئت وما فتأت، يقال: فتئت عن الأمر فَتَأ، إذا نسيته وانْقَدَعْت عنه.
وروى (٦) ابن هاني عن أبي زيد: ما أفتأت أذكره إفتاءً، وما فتئت
(٢) "الوقف والابتداء" لابن الأنباري ١/ ٨٧.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٥.
(٤) "زاد المسير" ٤/ ٢٧٣.
(٥) من هنا يبدأ النقل عن الأزهري في التهذيب (فتأ) ٣/ ٢٧٣١.
(٦) في (ب): (روى) من غير واو. وابن هانئ هو: أبو عبد الرحمن بن محمد بن هانئ النيسابوري، ويعرف بصاحب الأخفش، توفي سنة ٢٣٦ هـ. انظر: "تاريخ بغداد" ١٠/ ٧٢، و"تهذيب اللغة" ١/ ٤٤، و"إنباه الرواة" ٢/ ١٣١.
أذكره أفتأ فتأ (١).
وذكر ذلك أبو إسحاق في باب الوفاق (٢) (٣) وحكى الكسائي (٤): فتئت، وفتأت، فتأ، وفتوءًا، وأنشدوا لأوس بن حجر:
| فما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي | ويَلحقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٥) |
| فما فِتَئَتْ منها رِعَالٌ كأنها | رِعَالُ القطا حتى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ |
(٢) في (ج): (الوفات).
(٣) كتاب "فعلت أفعلت" / ٣٢.
(٤) "إعراب القرآن للنحاس" ٢/ ١٥٦.
(٥) البيت في: "ديوان أوس بن حجر" ص ٥٨، و"مجاز القرآن" ١/ ٣١٦، والطبري ١٣/ ٤١، و"شواهد الكشاف" ص ١٦٨، و"البحر المحيط" ٥/ ٣٢٦، و"الدر المصون" ٦/ ٥٤٦، و"زاد المسير" ٤/ ٢٧٢، و"الكشاف" ٢/ ٣٣٩، و"المعاني الكبير" / ١٠٠٢، وأساس البلاغة (فتأ).
(٦) هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن النحوي القاضي توفي سنة ١٧٥ هـ تقريبًا، انظر "إنباه الرواة" ٣/ ٣٠.
(٧) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" ٤/ ٢٧٢ برواية (منا).
(٨) "معاني الفراء" ٢/ ٥٤، "إعراب النحاس" ٢/ ١٥٦، و"الدر المصون" ٦/ ٥٤٦.
والله ليفعلن، فلما كان بغير اللام والنون، عرف أن لا مضمر، وأنشدوا قول امرئ القيس (١):
فقلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا
وقول الخنساء (٢):
فأقْسَمْتُ آسَى على هَالِكٍ... أو أسأل نَائِحَةً مَالهَا
ومثله كثير، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري وجميع النحويين.
وأما المفسرون فقال ابن عباس (٥) والحسن (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨)
ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
انظر: "ديوانه" ص ١٠٨، و"اللسان" (يمن)، والصناعتين ص ١٣٨، و"معاني القرآن" ٢/ ٥٤٠، و"الخصائص" ٢/ ٢٨٤، و"الخزانة" ٤/ ٢٠٩، ٢٣١، و"شرح المفصل" ٩/ ١٠٤، والطبري ١٣/ ٤٢، والقرطبي ٩/ ٢٤٩، و"تأويل مشكل القرآن" ص ٢٢٥، و"الدرر" ٢/ ٤٣، و"الكتاب" ٣/ ٥٠٤، و"الأضداد" لابن الأنباري ١٤٢.
(٢) "ديوانها" ١٢٥، وفيه:
فآليت آسي على هالك... وأسأل باكية ما لها
"تهذيب اللغة" (لا) ٤/ ٣٢١١، وانظر: "زاد المسير" ٤/ ٢٧٢، و"اللسان" (لا) ٧/ ٣٩٧٣، و"تاج العروس" (لا) "كتاب العين" ٨/ ٣٤٩.
(٣) "معاني القرآن" ٢/ ٥٤.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٦.
(٥) الطبري ١٣/ ٤١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٥٩.
(٦) انظر: "تفسر كتاب الله العزيز" ٢/ ٢٨٣.
(٧) الطبري ١٣/ ٤١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" ٤/ ٥٩.
(٨) الطبري ١٣/ ٤١.
والسدي (١) والكلبي (٢): لا تزال تذكر، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣) قال: لا يفتر من ذكره.
وقوله تعالى: حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا قال الفراء (٤): يقال: رجل حرض وحارض، وهو: الفاسد في جسمه وعقله، فمن قال: حرض، لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه بمنزلة: دفن وضنى، في أنه مصدر، قال: ولو ثنى وجمع لكان صوابًا، كما قالوا: ضيف وأضياف، ومن قال: حارض، ثنى وجمع.
وقال أبو زيد: الحرض المدنف، ومثله المحرض، وقال الأصمعي: الحرض الهالك، والمحرض المهلك (٥).
وقال أبو الهيثم: الحرض والمحرض: الهالك من ضنى (٦)، الذي لا حي فيرجى ولا ميت فيوئس منه، وقال الليث: رجل حرض، لا خير فيه، وجمعه أحراض، والفعل حرُض يحْرُض حُرُوضًا (٧).
وحكى الكسائي: حَرض بالفتح وحُرض بالضم حراضة وحروضًا، وهو حارض، وهم حارضون، وحرضة، وحرض.
(٢) "تنوير المقباس" ص ١٥٣.
(٣) الطبري ١٣/ ٤١.
(٤) "معاني القرآن" ٢/ ٥٤، ومن هنا يبدأ النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) ١/ ٧٨٧.
(٥) في (أ) بياض في هذه الكلمة.
(٦) في "التهذيب" ٤/ ٢٠٤: "الهالك مرضًا".
(٧) إلى هنا انتهى النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) ١/ ٧٨٧. وانظر: "اللسان" (حرض) ٢/ ٨٣٦.
قال أهل المعاني (١): أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وأنشدوا للعرجي (٢):
| إني امْرُؤ لَجَّ بي حُبٌّ فأحَرَضَنِي | حَتَّى بَلِيت (٣) وحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ |
وقال أبو عبيدة (٥): الحرض الذي قد أذابه الحزن، هذا كلام أهل اللغة في الحرض.
وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: حتى تكون كالشيخ الفاني الذي تغير، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال (٦): الفاسد الدنف.
(٢) البيت لعبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له العرج فنسب إليه.
انظر: "الشعر والشعراء" ص ٣٨١، "ديوانه" ص ٥، الطبري ١٣/ ٤٢، القرطبي ٩/ ٢٥٠، "زاد المسير" ٤/ ٢٧٣، "اللسان" (حرض) ٢/ ٨٣٦، "مجاز القرآن" ١/ ٣١٧، "الاشتقاق" ٤٨، "السمط" ص ٤٢٢، "الدر المصون" ٦/ ٥٤٧، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ١/ ٤٠٣.
(٣) في (ج): (مليت).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٦.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ٣١٦.
(٦) أخرج ابن الأنباري، الطستي كما في "الدر" ٤/ ٥٩، وأخرجه الطبري ١٣/ ٤٣، البغوي ٤/ ٢٦٨ وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧ وأبو الشيخ نحوه كما في "الدر" ٤/ ٥٩، والثعلبي ٧/ ٢٠٣ ب، و"الإعجاز البياني ومسائل ابن الأزرق" لبنت الشاطئ ص ٥٠٢.
وقال مجاهد (١): حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا قال: مرضًا دون الموت، وقال جويبر عن الضحاك (٢): كالشيء البالي، وقال قتادة (٣): هرمًا، وقال مقاتل (٤): مدنفًا، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا بضم الحاء وتسكين الراء، قال: يعني مثل عود الأشنان، ذكره ابن الأنباري بإسناده عن أبي روق (٥).
وقوله تعالى: أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ أي: من الميتين، قاله قتادة (٦)، ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم: لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه، حتى تصير بذلك إلى مرض لا ينتفع بنفسك معه، أو تموت بالغم، وأرادوا بهذا القول كفه عن البكاء والحزن إشفاقًا عليه.
قوله تعالى: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ قال المفسرون (٧): لما رأى غلظتهم وعنفهم به في قولهم حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قال لهم: إنما أشكو ما بي إلى الله تعالى لا إليكم.
(٢) الطبري ١٣/ ٤٣، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ٢٣٦ ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٥٩، والثعلبي ٧/ ١٠٣ ب، وابن عطية ٨/ ٥٥ وجويبر ضعيف.
(٣) الطبري ١٣/ ٤٣، الثعلبى ٧/ ١٠٣ ب، ابن عطية ٨/ ٥٤.
(٤) "تفسير مقاتل" ١٥٧ أ.
(٥) انظر: ابن عطية ٨/ ٥٤، القرطبي ٩/ ٢٥١، "الدر المصون" ٦/ ٥٤٨.
(٦) الطبري ١٣/ ٤٤، الثعلبي ٧/ ١٠٤ أ، البغوي ٤/ ٢٦٨، "زاد المسير" ٤/ ٢٧٣، القرطبي ٩/ ٢٥١، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٧.
(٧) الثعلبي ٧/ ١٠٤ أ، الطبري ١٣/ ٤٥.
قال أهل اللغة (١): البث: الهم الذي تفضي به إلى صاحبك. وأصله من البث وهو النشر والتفريق، يقال: بثوا الخيل في الغارة، وبث الله الخلق، وأبثثتُ فلانًا بسري إبثاثًا، أي: أطلعته عليه.
وقال أبو عبيدة (٢): البث: أشد الحزن، والحزن أشد الهم، وقال غيره: الهم ما يستره الإنسان ويكتمه، والبث ما يبديه ويظهره؛ لأنه إذا اشتد لم يصبر على كتمانه حتى يبثه، يقال: قد أبثثتك ما في قلبي، وبثتك، إذا أطلعتك عليه، قال الشاعر (٣):
| أبثّكَ ما ألْقَى وفي النَّفْسِ حَاجَةٌ | لها بَيْنَ لَحْمِي والعِظَامِ دَبِيبُ |
(٢) "مجاز القرآن" ١/ ٣١٧.
(٣) البيت لكُثَيِّر من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز وهي في "ديوانه" ص ٣٦ كما يلي:
| أبثك ما ألقى وفي النفس حاجة | لها بين جلدي والعظام دبيب |
| وإني لتعروني لذكراك روعة | لها بين جلدي والعظام دبيب |
(٥) الطبري ١٣/ ٤٥، و"زاد المسير" ٤/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٩، كما في "الدر" ٤/ ٦٠، الثعلبى ٧/ ١٠٥ أ.
(٦) في (ج): (وأنا).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي