ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

قوله : ثُمَّ ليَقْضُواْ تَفَثَهُمْ . العامة على كسر اللام، وهي لام الأمر. وقرأ نافع والكوفيون والبزي بسكونها١، إجراء للمنفصل مجرى المتصل نحو كتف، وهو نظير تسكين هاء ( هو ) بعد ( ثُمَّ ) في قراءة الكسائي وقالون حيث أجريت ( ثُمَّ ) مجرى الواو والفاء٢ والتَّفَث : قيل أصله من التف٣. وهو وسخ٤ الأظفار قلبت الفاء ثاء٥ كمعثور في معفور٦. وقيل : هو الوسخ٧ والقذر يقال : ما تفثك. وحكى قطرب : تفث الرجل، أي : كثر وسخه في سفره٨. قال الزجاج٩ : إن أهل اللغة لا يعرفون التّفَث إلا من التفسير١٠. وقال المبرد : أصل١١ التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وقال القفال : قال نفطويه١٢ : سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ، فقال : ما أفسر القرآن، ولكنا نقول للرجل : ما أتفثك، أي : أوسخك وما أدرنك١٣. ثم قال القفال١٤ : وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي١٥. والمراد بالتفث هنا١٦ : الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث والحاج أشعث أغبر، والمراد قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. والمراد بالقضاء إزالة ذلك، والمراد به الخروج من الإحرام بالحلق وقص الشارب والتنظيف ولبس الثياب١٧. وقال ابن عمر١٨ وابن عباس١٩ : قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال مجاهد : هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار. وقيل : التفث هنا رمي الجمار٢٠. وقيل : معنى «لِيَقْضُوا تَفَثَهُم » ليصنعوا٢١ ما يصنعه المحرم من إزالة شعر وشعث ونحوهما عند حله، وفي ضمن هذا قضاء جميع المناسك إذ لا يفعل هذا إلا بعد فعل المناسك كلها ٢٢.
قوله :«وَليُوفُوا ». قرأ أبو بكر «وَليُوفُّوا » بالتشديد، والباقون بالتخفيف ٢٣. وتقدّم في البقرة أن فيه ثلاث لغات وَفّى، وَوفَى، وأَوْفَى٢٤. وقرأ ابن ذكوان :«ولِيوفوا » بكسر اللام، والباقون بسكونها. وهذا الخلاف جار في قوله «وَلِيَطَّوَّفُوا »٢٥. والمراد بالوفاء ما أوجبه بالنذر، وقيل : ما أوجبه الدخول في الحج من المناسك٢٦. قال مجاهد : أراد نذر الحج والهدي، وما ينذره الإنسان من شيء يكون في الحج٢٧. وقيل : المراد الوفاء بالنذر مطلقاً٢٨ وقوله :«وَلِيَطَّوَّفُوا » المراد الطواف الواجب، وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق٢٩ وسمي البيت العتيق قال الحسن : القديم لأنه أول بيت وضع للناس٣٠. وقال ابن عباس وابن الزبير : لأنه أُعْتِقَ من الجبابرة٣١، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، ولما قصده أبرهة فُعِل به ما فعل. فإن قيل : قد تسلَّط الحجاج عليه ؟
فالجواب : أنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصّن به عبد الله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه٣٢ وقال ابن عيينة : لم يُمْلك قط٣٣. وقال مجاهد : أعتق من الغرق٣٤.
وقيل : لأنه بيت كريمٌ من قولهم : عِتاق الخيل والطير٣٥.

فصل٣٦


والطواف ثلاثة٣٧ أطواف :
الأول : طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعاً، يرمل ثلاثاً من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه، ويمشي أربعاً وهذا الطواف سنة لا شيء على تاركه.
والثاني : طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، ويسمى أيضاً طواف الزيارة وطواف الصدر، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به.
والثالث : طواف الوداع لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعاً، فمن تركه فعليه دم إلا الحائض والنفساء، فلا وداع عليهما لما روى ابن عباس قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه أرخص للمرأة الحائض. والرمل يختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع.
١ وفي السبعة: قرأ أبو عمرو وابن عامر "ثم ليقضوا" يكسر لام الأمر واختلف عن نافع ففي رواية بكسر اللام، وفي رواية أخرى ساكنة اللام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "ثم ليقضوا" ساكنة اللام (٤٣٤ – ٤٣٥) الكشف ٢/١١٦ – ١١٧، النشر ٢/٣٢٦، الإتحاف (٣١٤)..
٢ سبق أن تحدثت عن حركة لام الأمر بعد واو العطف وفائه وثم عند قوله تعالى: فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ [الحج: ١٥]..
٣ في ب: التفث. وهو تحريف..
٤ في النسختين: مسح والصواب ما أثبته..
٥ في ب: باء. وهو تحريف..
٦ في ب: كمعفور في يعفور. والصواب ما أثبته، وهو قول أبي محمد البصري. البحر المحيط ٦/٣٤٧ وتبدل الثاء من الفاء كقولهم في أثاف: أثاث. انظر سر صناعة الإعراب ١/١٧٣..
٧ وقيل هو الوسخ: مكرر في ب..
٨ البحر المحيط ٦/٣٤٧..
٩ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/٣١..
١٠ معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٢٤ – ٤٢٤. والبغوي ٥/٥٧٣..
١١ في الأصل: أهل. وهو تحريف..
١٢ هو إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكي الأزدي الواسطي أبو عبد الله الملقب نفطويه، كان عالما بالعربية واللغة والحديث، أخذ عن ثعلب والمبرد، ومن مصنفاته: إعراب القرآن، المقنع في النحو، الأمثال المصادر، أمثال القرآن، وغير ذلك، مات سنة ٣٢٣ هـ. بغية الوعاة ١/٣٣٨ – ٤٤٠..
١٣ في النسختين: وما أدراك. والصواب ما أثبته..
١٤ القفال: سقط من ب..
١٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/٣٠..
١٦ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٧٦..
١٧ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٧٦..
١٨ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٧٦..
١٩ في الأصل: وابن العباس. وهو تحريف..
٢٠ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٧٧..
٢١ في الأصل: يصنعوا..
٢٢ كلها: سقط من ب..
٢٣ السبعة (٤٣٦) الكشف ٢/١١٦—١١٧، النشر ٢/٣٢٦، الإتحاف ٣١٤..
٢٤ عند قوله تعالى: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون [البقرة: ٤٠]..
٢٥ السبعة (٤٣٤ – ٤٣٥) الكشف ٢/٣٢٦، الإتحاف ٣١٤..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٣/٣١..
٢٧ انظر البغوي ٥/٥٧٧..
٢٨ المرجع السابق..
٢٩ انظر البغوي ٥/٥٧٨..
٣٠ المرجع السابق..
٣١ المرجع السابق والدر المنثور ٤/٣٥٧..
٣٢ انظر الفخر الرازي ٢٣/٣١..
٣٣ انظر البغوي ٥/٥٧٨..
٣٤ المرجع السابق..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٣/٣١..
٣٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٧٨ – ٥٧٩..
٣٧ في ب: ثلاث..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية