ثم يقول الحق سبحانه :
ثم ليقضوا تفثهم١ وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( ٢٩ ) :
ليقضوا.. ( ٢٩ ) [ الحج ] : كلمة قضاء تقال، إما لقضاء الله الذي يقضيه على الإنسان مثلا، وهو أمر لازم محكوم به، وإما قضاء من إنسان بين متخاصمين، وأول شيء في مهمة القضاء أن يقطع الخصومة، كأن المعنى ليقضوا.. ( ٢٩ ) [ الحج ] : أي : يقطعوا.
ومعنى تفثهم.. ( ٢٩ ) [ الحج ] : لما نزل القرآن بهذه الكلمة لم تكن مستعملة في لسان قريش، ولم تكن دائرة على ألسنتهم، فسألوا عنها أهل البادية، فقالوا : التفث يعني : الأدران والأوساخ التي تعلق بالجسم، فقالوا : والله لم نعرفها إلا ساعة نزل القرآن بها.
فالمراد- إذن- ليقطعوا تفثهم أي الأدران التي لحقتهم بسبب التزامهم بأمور الإحرام، حيث يمكث الحاج أيام الحج محرما لا يتطيب، ولا يأخذ شيئا من شعره أو أظافره، فإذا ما أنهى أعمال الحج وذبح هديه يجوز له أن يقطع هذا التفث، ويزيل هذه الأدران بالتحلل من الإحرام، وفعل ما كان محظورا عليه.
وقوله تعالى : وليوفوا نذورهم.. ( ٢٩ ) [ الحج ] إن كان قد نذر لله شيئا فعليه الوفاء به.
وليطوفوا بالبيت العتيق ( ٢٩ ) [ الحج ] : يعني : طواف الإفاضة، والطواف : أن تدور حول شيء بحيث تبدأ وتنتهي، وتبدأ وتنتهي، وهكذا، وقد وصف البيت بأنه عتيق، وكلمة عتيق استعملت في اللغة استعمالات واسعة، منها : القديم، وما دام هو أول بيت وضع للناس فهو إذن قديم، والقدم هنا صفة مدح، لأنها تعني الشيء الثمين الذي يحافظ عليه ويهتم به.
كما نرى عند بعض الناس أشياء ثمينة ونادرة يحتفظون بها ويتوارثونها يسمونها " العاديات " مثل : التحف وغيرها، وكلما مر عليها الزمن زادت قيمتها، وغلا ثمنها.
والعتيق : الشيء الجميل الحسن، والعتيق : المعتوق من السيطرة والعبودية لغيره، فما المراد بوصف البيت هنا بأنه عتيق ؟
وصف البيت بالقدم يشمل كل هذه المعاني : فهو قديم، لأنه أول بيت وضع للناس، وهو غال ونفيس ونادر حيث نرى فيه ما لا نراه في غيره من آيات، ويكفي أن رؤيته والطواف به تغفر الذنوب، وهو بيت الله الذي لا مثيل له.
وهو كذلك عتيق بمعنى معتوق من سيطرة الغير، لأن الله حفظه من اعتداء الجبابرة، ألا ترى قصة الفيل، وما فعله الله بأبرهة حين أراد هدمه ؟ حتى الفيل الذي كان يتقدم هذا الجيش أدرك أن هذا اعتداء على بيت الله، فتراجع عن البيت، وأخذ يتوجه أي وجهة أرادوا إلا ناحية الكعبة.
ويقال : إن رجلا٢ تقدم إلى الفيل. وقال في أذنه : ابرك محمود- اسم الفيل- وارجع راشدا فإنك ببلد الله الحرام. وقد عبر الشاعر٣ عن هذا الموقف، فقال :
حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يعوي كأنه معقور٤
ثم ينزل الله عليهم الطير الأبابيل التي ترميهم بالحجارة حتى الموت.
لذلك لما ذهب عبد المطلب جد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ليكلم أبرهة في الإبل المائة التي أخذها من إبله، قال أبرهة : لقد كنت أهابك٥ حين رأيتك، لكنك سقطت من نظري لما كلمتني في مائة بعير أصبتها لك، وتركت البيت الذي فيه مجدكم وعزتكم.
فماذا قال عبد المطلب ؟ قال : أما الإبل فإنها لي، أما البيت فله رب يحميه.
البعض يتهم عبد المطلب لمقالته هذه بالسلبية، وليست هذه سلبية من كبير قريش، إنما ثقة منه في حماية الله لبيته، لذلك رده إلى أقوى منه، وكأنه قال : إن كنت أحميه أنا، فسأحميه بقوتي وقدرتي وحيلتي، لكنني أريد أن أرعبه بقدرة الله وقوته، وما سلمت البيت إلا وأنا واثق أن رب البيت سيحميه، وهذه تزلزل العدو وتربكه.
وما أشبه موقف عبد المطلب بموقف موسى عليه السلام، لما قال له قومه : إنا لمدركون ( ٦١ ) [ الشعراء ] : فقال في يقين وثقة : كلا إن معي ربي سيهدين ( ٦٢ ) [ الشعراء ].
إذن : لم يكن عبد المطلب سلبيا كما يتهمه البعض، بل كان إيجابيا من النوع الراقي، فلو كان إيجابيا بالمعنى الذي تريدون لأعطته هذه الإيجابية منعة بقوته هو، إنما تصرفه وما تعتبرونه سلبية أعطاه منعة بقدرة الله وقوته سبحانه، لذلك تدخلت فورا جنود السماء.
لكن، لماذا الطواف والدوران حول الكعبة ؟.
قالوا : لأن المسلم وهو غائب عن الكعبة يصلي لجهتها، كل حسب موقعه منها، فتجد المسلمين في كل أنحاء العالم يتجهون نحوها، كل من ناحية، هذا من الشمال، وهذا من الجنوب، وهذا من الشرق، وهذا من الغرب، يعني بكل الجهات الأصلية والفرعية.
فإذا ما ذهبت إلى الكعبة ذاتها، وتشرفت برؤيتها، فهل تستقبلها من نفس المكان الذي كنت تتجه إليه في صلاتك وغيرك وغيرك ؟ إذن : فكل اتجاهات الكعبة سواء لك ولغيرك، كما قال تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله.. ( ١١٥ ) [ البقرة ] : فليس هناك مكان أولى من مكان، لذلك نطوف حول البيت.
٢ - هو : نفيل بن حبيب الخثعمي فيما ذكره ابن هشام في السيرة النبوية(١/٥٢).
٣ - هو: أمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي..
٤ - ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (١/٦٠) هذا البيت ضمن أبيات أخرى لأمية بن أبي الصلت..
٥ - ويذكر ابن هشام في السيرة النبوية (١/٣٩) أن عبد المطلب كان أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. فملا رآه أبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه؟.
تفسير الشعراوي
الشعراوي