( ثم ليقضوا( قرأ ورش وأبو عمرو وابن عمرو وابن عامر وقنبل بكسر اللام والباقون بإسكانها
( تفاثهم( أي يزيلوا وسخهم بحلق الرأس وقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال الأول وذلك قبل طواف الزيارة ويحل على المحرم بعد الخلق كل شيء إلا النساء وتحل النساء بعد الطواف كذا قال المفسرون، والقضاء في الأصل بمعنى الفعل والأداء يقال قضي دينه، وقال الله تعالى :( فإذا قضيتهم مناسككم( ١ ( وفقضاهن سبع سموات( ٢ ويستلزمه الفراغ منه كما أيد بقوله تعالى :( أيما الأجلين قضيت٣( في إزالة الوسخ، الفراغ منه، قال البغوي قال ابن عمر وابن عباس قضاء التفت مناسك الحج كلها يعني أداء مناسك الحج، وقال مجاهد هو يعني التفت مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار، وقيل : التفت رمي الجمار فالمعنى فعل هذه الأمور وأداها، قال الزجاج : لا نعرف التفت ومعناه إلا من القرآن يعني هذا اللفظ غير مستعمل في كلام العرب غالبا ولفظه ثم يوجب تأخير الحلق والطواف من الذبح فهو حجة لأبي حنيفة رحمه الله حيث قال : الترتيب بين الرمي ونحر القارن والحلق واجب به قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي، فمن ترك الترتيب عمدا أو خطأ يجب عليه الدم لحديث ابن عباس من قدم " قدم شيئا من نسكه أو أخره فليهرق دما " رواه ابن أبي شيبة موقوفا والموقوف له حكم المرفوع لأن القضاء بمثل غير معقول لا يدرك بالرأي فإن قيل : في سند إبراهيم بن مهاجر قال أبو حاتم منكر الحديث وقال ابن المديني والنسائي ليس بالقوي وقال ابن عدي يكتب حديثه في الضعفاء ؟ قلنا : إنه صدوق من كبار التابعين أخرج له مسلم متابعة وقال سفيان واحمد وابن مهدي لا بأس به ثم الحديث ليس منحصرا عليه بل أخرجه الطحاوي من غير طريقه أيضا، قال : ثنا وهيب عن أيوب عن سعيد بن جبير عنه مثله، وقال أحمد الترتيب واجب يجب عليه الدم بتركه عمدا لكن يسقط وجوب الترتيب بالجهل والنسيان كذا روى الأثرم عنه وكذا يشعر كلام البخاري وهو المختار عندي للفتوى، وقال الشافعي وكثير من السلف الترتيب سنة ليس بواجب، وقال مالك تقديم الحلق على الرمي والذبح لا يجوز للشافعي قول مثله، احتج الشافعي بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والرمي والحلق والتقديم والتأخير فقال :" لا حرج " ٤ متفق عليه وفي رواية للبخاري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول " لاحرج " فسال رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح ؟ " قال :" اذبح ولا حرج " قال رميت بعد ما أمسيت ؟ فقال : لا حرج " في رواية للبخاري أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : زرت قبل أن أرمي قال :" لا حرج " قال : ذبحت قبل أن أرمي ؟ قال : لا حرج " وروى الطبراني بلفظ أن رجلا قال : يا رسول الله طفت بالبيت قبل أن أرمي ؟ قال :" لا حرج " وروى الطبراني بلفظ أن رجلا قال : يا رسول الله طفت بالبيت قبل أن أرمي ؟ قال :" ارم ولا حرج " وقد ثبت بحديث علي رضي الله عنه التصريح بالسؤال بالطواف قبل الذبح أيضا رواه أحمد وجه الاحتجاج للشافعي أنه لو كان الترتيب واجبا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة ما قدم من المناسك لكون الوقت وقت أداء المناسك يوم النحر أو أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الدم ولو أمرهم بشيء من ذلك لنقل إلينا لاشتراك خلق كثير في الواقعة وحرص كل منهم على حفظه مناسك وتبليغها فلما لم ينقل علم أنه لم يأمر ولما لم يأمر علم أنه لم يجب لأنه وقت الحاجة وترك تبليغ الواجب مع الحاجة محال فظهر أنه ليس بواجب وما ليس بواجب لا بأس تركه عمدا قال أبو حنيفة من رواة هذه القصة ابن عباس رضي الله عنه وقد قال ابن عباس من قدم شيئا من نسكه أو أخره فليهرق لذلك دما وقول الراوي على خلاف روايته جرح في الحديث لدلالته على أن الراوي اطلع على الناسخ لكن هذا القول لا ينتهض دفعا لقول الشافعي إذ عنده قول الراوي على خلاف روايته ليس بحرج في الحديث بل على أصل أبي حنيفة أيضا لا ينتهض دفعا لأن قول الراوي على خلاف روايته إنما يكون جرحا إذا كان الموقوف في قوة المرفوع حتى يكون بمنزلة الناسخ والأمر ليس كذلك، قلت : لكن الجمع بين الأحاديث متى أمكن أولى من ترك العمل على بعضها فنحمل أثر ابن عباس وهو في حكم المرفوع وقد بلغ بالاعتصام درجة الحسن على ترك الترتيب عمدا، وما احتج به الشافعي على الجهل والنسيان فقلنا الترتيب واجب لكن يسقط بالجهل والنسيان كالترتيب في الفوائت من الصلوات واجب عند أبي حنيفة ويسقط بالنسيان والإمساك في الصوم واجب ويسقط بالنسيان وتكبيرا التشريق واجبة تسقط بالنسيان.
مسألة : الحلق من واجبات الإحرام ليس بكرن عند أبي حنيفة ح، وقال الشافعي ح وبعض العلماء أنه ركن من أركان الحج وفي رواية ضعيفة عن الشافعي وهي رواية عن أبي يوسف وعن أحمد وبه قال المالكية أنه ليس بنسك بل أمر مباح، وحجتنا وحجة الشافعي هذه الآية فإنه أمر بقضائه التفت والمراد به الحلق والأمر للوجوب فكان ركناة عنده قلنا : ثبوته وإن كان بالآية القطعية لكن دلالة الآية عليه إنما هي بتأويل ظني لاختلاف في تفسير الآية فلا يوجب القطع، وأيضا الشافعي الحلق تحلل من الإحرام والإحرام ركن للحج فكذا التحلل عنه كالسلام في الصلاة فإنه ركن عند الشافعي قلنا : كون الإحرام شرطا وركنا للحج لا يستلزم كون التحلل عنه كذلك وكون السلام ركنا ممنوع عندنا وأيضا هذا قياس مع الفارق لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السلام انتهاء لتحريمه الصلاة حيث قال :" تحليلها التسليم " فلو لم يوجد التسليم ويتأتى على التحريم ما ينافيها بطلت التحريمة وأما التحريمة شرطا للصلاة، وركنا لها على اختلاف الأقوال فبطلت الصلاة ببطلان التحريمة واما إحرام الحج فلا يبطل. . . بالمحظورات كما يبطل إحرام الصلاة، ألا ترى أن الجماع قبل الوقوف بعرفة يوجب الفساد حتى يجب عليه القضاء ولا يوجب البطلان حتى يجب المضي في الفاسد.
مسالة : أول وقت الحلق الرمي من طلوع الفجر الثاني يوم النحر وعند الأكثر بعد مصف الليل من ليلة النحر، لنا حديث عروة بن مضرس فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من شهد معنا هذا الصلاة صلاة الفجر بمزدلفة وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى نفثه " ٥ رواه أصحاب السنن الأربع والحاكم وقال صحيح على شرط كافة أهل الحديث ولم يخرجاه على أصلهما لأن عروة بن مضرس لم ير وعنه إلا الشعبي وقد وجحدنا عروة ابن الزبير قد حدث عنه واختلفوا في آخر وقته ؟ فقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد واكثر العلماء لا آخر لوقته، واختلفوا أيضا في أن الحرم هل هو شرط للحلق ؟ فقال أبو يوسف وزفر وأكثر العلماء ليس بشرط، وقال أبو حنيفة للحلق اعتبارات أحدهما أنه محلل للإحرام وثانيهما أنه نسك من مناسك الحج فباعتبار أنه محلل لا آخر لوقته ولا يختص أيضا بمكان وباعتبار أنه نسك يختص بيوم النحر وبالحرم لأنه كونه عبارة لا يدرك بالرأي فيراعى خصوصياته الواردة من الشارع وهو الزمان والمكان وأما كونه محللا فأمر يدرك بالرأي لأن المحلل إنما يكون ما يكون جناية في غير أوانه وهو كذلك، فغن وجد الحلق بعد وقته أو في غير الحرم يكون محللا من إحرامه ولا يكون عبادة فيلزم الدم لترك نسك واجب.
واحتج أبو يوسف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" اذح ولا حرج " لمن قال حلقت قبل أن أذبح وأنه صلى الله عليه وسلم حلق عام الحديبية وهي من الحل قلنا قوله صلى الله عليه وسلم " اذبح ولا حرج " لمن قال حلقت قبل أن أذبح لبيان سقوط الترتيب لعلة الجهل والنسيان لا لتعميم الزمان لأن يوم النحر كان موجودا عند السؤال لأنه كان بعد الظهر يوم النحر، وحلق النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية لم يكن عند أبي حنيفة نسكا بل ليعرف استحكام الانصراف حيث لا يجب الحلق على المحصر عند أبي حنيفة والجواب عندي أن المحصر معذور لا يقاس عليه غيره ألا ترى أن الحلق قبل دخول وقته جائز للمحصر لا لغيره إجماعا فكذا الحلق في غير مكان، والحجة لنا في اشتراط الحرم للحلق قوله تعالى :( ثم محلها إلى البيت العتيق( ٦ وسيجيء تفسيره وقوله :( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رؤوسكم ومقصرين( ٧ حيث جعل الحلق والتقصير من خواص دخول المسجد والتوارث فإن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده توارثوا على الحلق في الحج بمنى والعمرة عند مروة وهما من الحرم.
مسألة : واختلفوا في القدر الواجب من الحلق والتقصير ؟ فقال مالك وأحمد لا يتحلل ما لم يحلق أو يقصر كل الرأس وقال أبو حنيفة حلق ربع الرأس أو تقصيره يكفيه وقال الشافعي يكفيه إزالة شعرة واحدة أو ثلاث شعرات، قال الشافعي هذه الآية لإيجاب قضاء بعض التفث ولا شك أن قضاء بعض التفث يحصل بإزالة شعرة أو ثلاث شعرات وقال أو حنيفة لا يقال في العرب من أزال شعرة أو ثلاثا أنه حلق رأسه أو قضى تفثه فلا بد من قدر معتد به، شرعا وقد أقام ربع الرأس في الوضوء مقام الكل حيث أوجب مسح ربع الرأس وأوجب في سائر الأعضاء غسلها بتمامها كما ذكرنا تحقيقه في سورة المائدة في آية الوضوء فقلنا ها هنا بحلق ربع الرأس وقال مالك وأحمد لا نسلم ما قال أبو حنيفة من إقامة الرأس مقام الكل فإن الفريضة عندهم مسح كل الرأس ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة انه اقتصر على حلق بعض الرأس أو تقصيره.
مسألة : الحلق أفضل من التقصير إجماعا لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال :" والمقصرين " ٨ في رواية قال في الرابعة والمقصرين، وحديث أبي هريرة نحوه والحديثان في الصحيحين ( وليوفوا( قرا ابن ذكوان بكسر اللام والباقون بإسكانها وقرأ أبو بكر عن عاصم ليوفوا بتشديد الفاء من التفعيل والباقون بالتخفيف من الأفعال ( نذورهم( قيل : أراد به الخروج عما وجب عليه نذرا ولم ينذر فإن العرب يقول لمن خرج عن الواجب عليه وفي بنذره والجمهور على أن المراد بالنذر ما أوجب إنسان على نفسه مما ليس بواجب عليه وهو على نوعين منجز كأن يقول لله علي أن أصلي ركعتين ومعلق بشرط، ثم المعلق بالشرط إن كان الشرط مرضيا كأن قال إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي فعلي أن أصوم يسمى نذر تردد وإن كان الشرط مكروها كأن قال إن كلمت زيدا فعلي أن أحج يسمى نذر لجاج، وإذ علمت أن النذر إيجاب ما ليس بواجب عليه فإيجاب ما هو واجب من الله تعالى إخبار محض كمن قال الله علي أن أصوم رمضان أو أصلي الظهر فلا يترتب عليه شيء أصلا ولا يتغير وصف الواجب وقدره بتغير العبد فلو قال لله علي أن أؤدي زكاة كل مائتي درهم عشرة لا يلزمه إلا خمسة كم قال لله علي أن أصلي الظهر ست ركعات وكذا لو قال لله علي أن أصلي كل فريضة بوضوء جديد أو بجماعة لأن الله سبحانه أجزى الصلاة بغير هذه القيود فلو قلنا بعدم الإجزاء لعزم نسخ حكمم من أحكام الله تعالى ولو قلنا بإجزاء الصلاة بدونها فلا فائدة في القول بإيجاب هذه الأمور إذ لا يمكن قضائها بمثلها لعدم استقلالها وقضائها بمثل غير معقول يتوقف على ثبوتها من الشرع ولم يثبت وهذا معنى قولهم يشترط لل
٢ سورة فصلت الآية: ١٢..
٣ سورة القصص الآية: ٢٨..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الحلق (١٧٢٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: من حلق قبل الرمي (١٣٠٧)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (٨٨٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفه (١٩٥٠) واخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالزدلفة (٣٠٣٢) واخرجه تبن ماجة في كتاب: الحج، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٣٠١٦)..
٦ سورة الحج الاية: ٣٣..
٧ سورة الفتح الآية: ٢٧..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال (١٧٢٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تقصير الحلق على التقصير وجواز التقصير (١٣٠٤)..
التفسير المظهري
المظهري