ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا :
رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، لَمَّا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْجَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُسْنُهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ. وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ
اعْلَمُوا - وَفَّقَكُمْ اللَّهُ - أَنَّ كَلِمَةَ " بَعْدُ " ظَرْفٌ بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ هَاهُنَا، لِمَا اُقْتُرِنَ بِهِ من الْحَذْفِ، فَصَارَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ كَأَنَّهُ بَعْضُ كَلِمَةٍ، فَرُبِطَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لِيَتَبَيَّنَ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدِ مَنْ عِنْدَك، مِنْهُنَّ اللَّوَاتِي اخْتَرْنَك عَلَى الدُّنْيَا فَقُصِرَ عَلَيْهِنَّ من أَجْلِ اخْتِيَارِهِنَّ لَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي : من بَعْدِ مَا أَحْلَلْنَا لَك، وَهِيَ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ؛ قَالَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ.
الثَّالِثُ : لَا يَحِلُّ لَك نِكَاحُ غَيْرِ الْمُسْلِمَاتِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ :
أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَك نِكَاحُ غَيْرِ الْمُسْلِمَاتِ فَدَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّانِي قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أُبَيٍّ، وَحَكَمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدِ مَا أَحْلَلْنَا لَك من أَزْوَاجِك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ قَرَابَتَك الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ، وَالْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا بَقِيَ عَلَى التَّحْرِيمِ مَنْ عَدَاهُنَّ.
وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيٍّ، وَيَقْوَى فِي النَّفْسِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ : لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَكَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَحَلَّ لَهُ النِّسَاءَ حَتَّى الْمَوْتِ قُصِرَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قُصِرْنَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ وَجَعَلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ سُنَّةً نَاسِخَةً، وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهٍ، وَمُتَعَلَّقٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي من النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ؛ فَتَمَّ تَمَامُ الْقَوْلِ وَبَيَانُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من أَزْوَاجٍ
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَةً من أَزْوَاجِك، وَتَنْكِحَ غَيْرَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّانِي : لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَبَدَّلَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي عِنْدَك بِمُشْرِكَةٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
الثَّالِثُ : لَا تُعْطِي زَوْجَك فِي زَوْجَةٍ أُخْرَى، كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَهُ يَشْهَدُ النَّصُّ، وَعَلَيْهِ يَقُومُ الدَّلِيلُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ من قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَا يُبْطِلُ فَائِدَتَهُ وَيُسْقِطُ عُمُومَهُ، وَيُبْطِلُ حُكْمَهُ، وَيَذْهَبُ من غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عن ذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ ذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ؛ إذْ التَّعَاوُضُ فِي الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : بِهِنَّ من أَزْوَاجٍ ، وَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَجُوزُ لَا بِهِنَّ وَلَا بِغَيْرِهِنَّ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ اسْتِبْدَالَ الْجَاهِلِيَّةِ لَقَالَ : أَزْوَاجَك بِأَزْوَاجٍ، وَمَتَى جَاءَ اللَّفْظُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ لِضَرُورَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك
الْمَعْنَى فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَك عَلَى الْإِطْلَاقِ الْمَعْلُومِ فِي الشَّرْعِ من غَيْرِ تَقْيِيدٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إحْلَالِ الْكَافِرَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ وَوَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَهَذَا عُمُومٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ خَوْفِ الْعَنَتِ ؛ وَهَذَا الشَّرْطُ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ ؛ فَأَمَّا وَطْؤُهَا بِمَلْكِ الْيَمِينِ فَيَتَرَدَّدُ فِيهِ. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْكَافِرَةِ، وَلَا وَطْؤُهَا بِمَلْكِ الْيَمِينِ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عن مُبَاشَرَةِ الْكَافِرَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ، فَكَيْفَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَقَالَ : اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك ، فَشَرَطَ فِي الْإِحْلَالِ لَهُ الْهِجْرَةَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ الْكَافِرَةَ تَحِلُّ لَهُ !
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الرَّقِيبِ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمَعْنَى الْمُخْتَصُّ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا، وَيَحْكُمُ فِيهَا حُكْمًا مُسْتَقِرًّا، وَيَرْبِطُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ رَبْطًا يَنْتَظِمُ بِهِ الْوُجُودُ، وَيَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير