ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

ثم يقول الحق سبحانه١ :
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ٢ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا ( ٥٢ ) .
سبق أن تناولنا تفسير هذه الآية في إطار سياق الآيات السابقة، ونلخصها هنا في أن الحق سبحانه بدأ رسوله أولا بأن أحل له في قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ.. ( ٥٠ ) [ الأحزاب ] ثم قيد هذا التحليل هنا، فقال :
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ.. ( ٥٢ ) [ الأحزاب ]. فالحق سبحانه يأتي بالمخفف في أشياء، ثم يأتي بالمثقل ؛ ليعلم القوم أن الله تعالى بدأ رسوله بالعطف والرحمة والحنان، ويبين فضله عليه، كما قال له سبحانه عَفَا اللّهُ عَنكَ.. ( ٤٣ ) [ التوبة ] قبل أن يعاتبه بقوله : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. ( ٤٣ ) [ التوبة ].
وهذه الآية لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ.. ( ٥٢ ) [ الأحزاب ] توضح أنّ ما شرع لرسول الله في مسألة تعدد الزوجات غير ما شرع لأمته، فرسول الله استثناه الله تعالى في المعدود لا في العدد، والفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود أن العدد يدار في أشياء متعددة، فلو أنه أباح له عدد تسع ثم توفّين لكان له أن يتزوج بتسع أخر، وإن ماتت واحدة منهن له أن يتزوج بواحدة بدلا منها.
لكن الاستثناء لم يكن لرسول الله في العدد كأمته، إنما في المعدود، بحيث يقتصر على هؤلاء بخصوصهن، والحكمة في ذلك أن التي يفارقها زوجها من عامة نساء المؤمنين لها أن تتزوج بغيره، على خلاف زوجات رسول الله، فإنهن أمهات للمؤمنين، فلا يحل لهنّ الزواج بعد رسول الله.
ثم أوضحنا أن مسألة ملك اليمين ليست سبّة في جبين الإسلام، إنما هي ميزة من ميزاته، فالله ملك الرقبة ليحميها من القتل، والمقارنة هنا ليست بين رق وحرية، إنما بين رق وقتل كما أوضحنا، والذي يتأمل حال المملوك أو المملوكة في ظل الإسلام لا يسعه إلا الاعتراف بحكمة الشرع في هذه المسألة.

١ قال ابن كثير في تفسيره (٣/٥٠١): "ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لمّا خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن وحرّم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن"..
٢ قال القرطبي في تفسيره (٨/٥٤٩١): "اختلف العلماء في إحلال الأمة الكافرة للنبي صلى الله عليه وسلم على قولين:
الأول: تحل لعموم قوله إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.. (٥٢) [الأحزاب] قاله مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم.
الثاني: لا تحل تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر.. (١٠) [الممتحنة] فكيف به صلى الله عليه وسلم؟"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير