ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

الكامل ولو لم يكن وطء الذي هو أيضا محل خلاف بين الفقهاء والذي يمكن أن يكون وجيها على ما شرحناه في سياق الآيات [٢٣٦- ٢٣٧] من سورة البقرة.
وصيغة الآية تلهم أن الحثّ على الرفق بالمرأة وأداء حقها وحسن معاملتها في حالة طلاقها هو هدف رئيسي فيها. وهذا متسق مع النصوص القرآنية العديدة التي استهدفت ذلك أيضا.
ولقد استنبط بعض الأئمة مثل الإمامين الشافعي وابن حنبل من هذه الآية ومن حديث رواه جابر عن رسول الله جاء فيه «لا طلاق قبل النكاح» أنه لا يقع طلاق قبل عقد نكاح بحيث لو قال رجل إن تزوجت فلانة فهي طالقة وتزوجها فلا يقع عليه طلاق. وذكر ابن كثير أن هذا مذهب طائفة كبيرة من السلف «١». ويظهر من هذا أن هناك رأيا فقهيا يخالف هذا. ونحن نرى القول وجيها أكثر من نقيضه.
وهناك قضية أخرى من هذا الباب وهي حالة رجل يقول: «أيما امرأة تزوجتها فهي طالق» حيث ذكر ابن كثير أن الإمامين أبا حنيفة ومالك يقولان بوقوع الطلاق في حين أن الإمامين الحنبلي والشافعي يقولان بعدم وقوعه «٢». ونحن نرى هذا أوجه من القول الأول أيضا فالطلاق قد شرّع للفراق بعد الزواج في حالة تعذر الوفاق على ما شرحناه في سياق آيات الطلاق في سورة البقرة. وهذا إنما يتحقق بعد الزواج والله تعالى أعلم.
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢).

(١) انظر تفسير الآية في الخازن.
(٢) المصدر نفسه. [.....]

صفحة رقم 398

(١) آتيت أجورهن: دفعت مهورهن. وقد سمّي المهر أجرا في آية سورة النساء [٢٣]. مع كلمة فريضة كما جاء في الآية: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً.
(٢) وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك: وما أصبح ملك يمينك من السبي الذي يسّره الله لك.
(٣) ترجى: بمعنى تترك وتهمل أو تؤجل.
(٤) وتؤوي إليك: وتدخل إليك.
(٥) ومعنى جملة وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ: أي تؤوي إليك من ابتغيت ممن أرجأتهنّ سابقا.
في الآيات:
خطاب للنبي بشأن أنكحته على سبيل التشريع يؤذن فيه:
١- أن الله قد أحلّ له زوجاته اللائي تزوج بهن سواء أكن اللائي أدى مهورهن من بنات أعمامه وعماته وأخواله وخالاته المهاجرات معه أم اللائي وهبن أنفسهن له، أم اللائي هن ملك يمينه مما أفاءه الله عليه من سبي الأعداء.
٢- وأن هذا مباح له على وجه التخصيص دون سائر المؤمنين الذين شرع لهم ما شرع في آيات أنزلها قبل هذه الآيات حتى لا يكون في حرج وإشكال من أمر زوجاته وحياته الزوجية والله غفور رحيم.
٣- أن الله قد أحلّ له كذلك أن يتصرف بما يتراءى له معهن في المعاشرة الجنسية فيترك أو يهمل أو يؤجّل من يشاء منهن ويؤوي إليه للنكاح من يشاء منهن ويعود إلى من ترك وأجّل منهن.

صفحة رقم 399

٤- وأن هذا أدعى إلى إدخال السرور على أنفسهن وعدم حزنهن ورضائهن بما يفعله معهن جميعهن. والله يعلم ما في قلوب الناس وميولهم ويأمر بما فيه المصلحة ويوسع لهم من حلمه.
٥- وأنه ليس له بعد الآن أن يتزوج بامرأة زواجا بعقد ولا يترك إحدى زوجاته ليأخذ مكانها غيرها ولو أعجبه حسنها باستثناء ملك اليمين الذي يظل مباحا له، والله رقيب على كل شيء.
تعليق على الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلخ والآيتين التاليتين لها
والذي يتبادر لنا استلهاما من فقرة قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أن هذه الآيات نزلت بعد آيات سورة النساء [٣ و ١٨- ٢٨] التي احتوت تشريعات في صدد الأنكحة وعدد الزوجات التي يستطيع الرجل جمعهن في عصمته وما يحلّ له وما لا يحلّ إلخ وبمناسبتها. فقد كان تعدد الزوجات جاريا من دون تحديد فتعددت زوجات النبي ﷺ كما تعددت زوجات غيره. فلما نزلت آيات النساء المذكورة وبخاصة الآية الثالثة التي اعتبر نصّها تحديدا تشريعيا للتعدد وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) بحيث لا يزيد عدد الزوجات التي يستطيع المسلم أن يجمعهن في عصمته معا عن أربع باستثناء ملك اليمين احتفظ الذين كان عندهم أكثر من أربع زوجات بأربع منهن وسرّحوا العدد الزائد. وبرزت مشكلة زوجات النبي اللائي كن أكثر من العدد المحدد محرجة له ولهن، ونعتقد أن هذا مفتاح القضية في هذا المقام. فقد كان في إمكان زوجات المسلمين الزائدات عن العدد اللائي سرّحهن أزواجهن بعد نزول الآية أن يتزوجن فلم يكن هناك ضرر عظيم من تسريحهن، فاقتضت حكمة

صفحة رقم 400

التنزيل أن لا يكون هذا سائغا لنساء النبيّ بسبب ما صار لهن من شرف وكرامة فأوحى الله بهذه الآيات لحلّ المشكلة على النحو الذي شرحناه. ولعل النبي أراد أن يطلق الزائدات منهن تقيدا بالتحديد القرآني كما فعل المسلمون فكان هذا مما أزعج أمهات المؤمنين وأحزنهن لما سوف يكون من أمر المطلقات منهن وقد حرموا من استمرار شرف النسبة إلى النبي وانسدّ عليهم باب الحياة الزوجية وفقدوا السند والكفيل فاحتوت الآية الأولى ما احتوته من إباحة احتفاظ النبي ﷺ بهن جميعا.
كذلك يتبادر لنا من روح الآية الثانية وصلتها بالأولى حتى كأنما هي استمرار لها أنها في صدد التحديد بأسلوب خاص وأنها احتوت شبه إيعاز للنبيّ بالاكتفاء بمعاشرة أربع من نسائه معاشرة جنسية في وقت واحد وإرجاء الأخريات بدون تعيين مع إعطائه حقّ معاشرة إحدى المرجئات تطييبا لنفسها وإزالة لحزنها من الهجر على أن يرجىء واحدة من اللائي كان يعاشرهن وهكذا دواليك. والفقرة الأخيرة من هذه الآية مما يصحّ أن يكون قرينة على ذلك. ولقد روى الزمخشري في كشّافه أن النبيّ ﷺ قد عاشر بعد هذه الآيات أربعا فقط من نسائه وهن: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة رضي الله عنهن.
وروى الطبري أن النبي آوى أربعا وأرجأ خمسا بدون أسماء. والروايات لم ترد في الصحاح. ونصّ الآية يجعل النبي في الخيار في الإرجاء والإيواء ومعاودة الإيواء لمن أرجأ. بحيث يسوغ التوقف في هذه الروايات والقول إن النبيّ ﷺ لا بدّ من أنه طبق الآية نصا وروحا والله أعلم.
ولقد روى الطبري والبغوي عن ابن رزين أنه لما نزلت آية التخيير أشفقت زوجات النبي ﷺ أن يطلقهن فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا. والذي نرجحه أن هذا كان منهن كما خمّنا حين نزلت آية تحديد العدد وفكر النبيّ في تطليق الزائد عن العدد وأن في الرواية لبسا، لأن ظرف التخيير انقضى في موقف آخر باختيار نساء النبي البقاء في عصمته كما شرحناه في الجزء السابع من التفسير الحديث ٢٦

صفحة رقم 401

سياق آية التخيير ولم يكن هناك محل خوف من طلاق بعد نزول التخيير إذا ما اختار نساء النبي الله ورسوله والبقاء عنده وهو ما وقع. ولقد روى المفسرون أن إحداهن سودة أعلنت تنازلها عن يومها لعائشة ليبقيها في عصمته. والراجح أن ذلك كان بعد نزول التحديد وقبل نزول الآية الإذن للنبي باستبقاء جميع نسائه حيث نزلت لتهدئة اضطرابهن وتسكين حزنهن وتطمين قلوبهن.
ولقد رأينا المفسرين يديرون الكلام في سياق الآية [٥٠] على مفهوم كونها مطلقة وبسبيل إعلان كون الله تعالى قد أحلّ له فيها نوع النساء الموصوفات فيها دون غيرهن اللائي لا يتصفن بهذه الصفات «١». وقد أوردوا حديثا عن بنت عمّه أبي طالب جاء فيه: «خطبني رسول الله فاعتذرت له فعذرني. ثم أنزل الله الآية فلم أعد أحلّ له لأني لم أهاجر معه وكنت من الطلقاء». وقد روى هذا الحديث الترمذي أيضا عن أم هانىء بنت أبي طالب «٢» ونحن نتوقف في هذا ونرجح استئناسا بفحوى الآية وروحها أنها بسبيل إقرار ما كان قد تمّ من زيجات النبي ﷺ قبل نزول الآية استدراك أمر التحديد بالنسبة إليه. ولعلّ في نص الآية إما قرينة بل دليلا على ما نقول. ولقد روى الطبري مع اشتراكه في القول المذكور آنفا عن أبيّ بن كعب كلاما قد يكون فيه تأييد حيث قال ما مفاده أن الله قد أحلّ في الآية للنبي النساء اللاتي كان تزوجهن مما ذكرت الآية أوصافهن في حين أحلّ للمؤمنين مثنى وثلاث ورباع بدون تحديد أوصاف والله تعالى أعلم.
ولقد كان في عصمة النبي ﷺ على ما تكاد تتفق عليه الروايات حين نزول الآيات عشر زوجات هنّ عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وأم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية بنت الحارث وزينب

(١) انظر تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير.
(٢) انظر التاج، ج ٤ ص ١٨٦ و ١٨٧ وكلمة الطلقاء أطلقها النبي على أهل مكة الذين استسلموا يوم الفتح وأسلموا ومنّ عليهم. ولم يعد من هاجر منهم إلى المدينة يعدّ مهاجرا لأن النبي قال: (لا هجرة بعد الفتح). على ما أوردناه في سياق الآية [٧٧] من سورة الأنفال.

صفحة رقم 402

بنت خزيمة وزينب بنت جحش وسنية النضيرية وميمونة بنت الحارث رضي الله عنهن. وماتت زينب بنت خزيمة في حياته وبقيت التسع الأخرى إلى أن توفاه الله تعالى. ولم يتزوج أحدا بعد هذه الآيات «١». وقد يكون في هذا دليلا آخر مؤيدا.
ولقد احتوت الآية [٥٢] تشريعا استثنائيا سلبيا بالنسبة للنبي ﷺ مقابل التشريع الاستثنائي الإيجابي الذي احتوته الآية [٥١] على ما يتبادر لنا. فبعد أن أبيح له في الآية [٥١] الاحتفاظ بزوجاته جميعهن حرّم عليه في الآية [٥٢] التزوج بالمرة باستثناء ملك اليمين. ونصّ الآية صريح بأن الحظر مؤبد أي أنه يظل قائما لو ماتت بعض نسائه أو جميعهن أو طلقهن. هذا في حين أن المسلمين يستطيعون أن يغيروا مع الاحتفاظ بالعدد المحدد ويتزوجوا تمام العدد المحدد.
ولقد أورد الطبري والبغوي وابن كثير بعض أحاديث في صدد هذه الآية.
منها حديث عن عائشة وآخر عن أم سلمة قالتا فيهما: «ما مات النبيّ حتى أحلّ الله النساء». ومنها حديث عن أبيّ بن كعب يفيد أن الآية لم تحرّم الزواج على النبي بالمرة وإنما حرمت عليه ضربا من النساء من غير النوع الذي أحلّه الله له في الآية [٥٠] والأحاديث ليست من الصحاح.
ونصّ الآية فيما نرى، وبخاصة جملة مِنْ بَعْدِهِ صريح بالنهي إطلاقا.
ولذلك فنحن نتوقف فيها. ولقد قال ابن كثير فيما قال أيضا: إن غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم قالوا إن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبيّ ﷺ ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله حينما نزلت آية التخيير [٢٨] فقصره عليهن وحرّم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن مما فيه توثيق لما قلناه. هذا مع التنبيه على أن هذه الأقوال إنما يحتمل صدورها

(١) كان تحته بالإضافة إلى زوجاته المذكورة أمتان ملك يمينه هما ريحانة القرظية ومارية القبطية. وقد تسرى بالثانية بعد نزول الآيات. انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي والخازن وانظر ابن هشام ج ٤ ص ٣٢١- ٣٢٦.

صفحة رقم 403

من هؤلاء العلماء تعليقا على مدى الآية دون كونها سببا لنزولها. فإننا ما نزال نرى أن هذه الآية والآيتين السابقتين لها قد نزلت بعد آيات سورة النساء وبخاصة التي يحدد فيها عدد الزوجات اللائي يجوز جمعهن في عصمة الرجل وبمناسبتها. لأن هذا هو المتسق مع نصوصها وبخاصة مع جملة خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ.
ولقد قال بعض المفسرين «١» في مدى تعبير وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ أن فيه إشارة إلى عادة عربية قبل الإسلام حيث كان العرب يتبادلون الزوجات فيتنازل واحد عن زوجته لآخر مقابل تنازل هذا عن زوجته له. والذي يتبادر لنا أن القصد منه هو نهي النبيّ عن تطليق إحدى نسائه لأجل أخذ غيرها مكانها تقيدا بالعدد الذي أباحه الله له. أو بعبارة ثانية عدم التزوج بعد الآية باستثناء ملك اليمين كما قلنا قبل قليل.
وصيغة الجملة وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها صيغة أسلوبية ولا تعني في مقامها على ما يتبادر لنا أن ذلك بالنسبة للمستقبل.
ونصّ الآية [٥٠] التي وردت فيها هذه الجملة يفيد بقوة أن المرأة التي وهبت نفسها هي من جملة ما شملته جملة إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلخ.
ولقد تعددت الروايات في شخصية هذه المرأة منها أنها ميمونة بنت الحارث التي تزوجها النبي في ظرف زيارته الكعبة في السنة السابعة من الهجرة بناء على الاتفاق الذي تمّ بينه وبين قريش في الحديبية ومنها أنها زينب بنت خزيمة المعروفة بأم المساكين ومنها أنها خولة بنت حكيم أو أم شريك بن جابر. والاثنتان الأوليان هما من زوجات النبي فعلا دون الأخريين على ما يستفاد من الأسماء المروية التي أوردناها آنفا. ويبدو أن رواية كونها ميمونة هي الأقدم والأوثق. وقد نبّه المفسرون

(١) انظر الخازن والبغوي.

صفحة رقم 404

على أن هبة التي وهبت نفسها للنبي ليست بمعنى التملك أو الزواج بدون عقد ومهر. وهو في محله. وقد روى ابن هشام أن العباس عمّ النبي هو الذي زوجها للنبي وأصدقها عنه أربعمائة درهم «١».
ولقد كان استثناء القرآن النبيّ ﷺ من تحديد الزوجات الوارد في حق سائر المؤمنين موضع انتقاد وغمز من قبل الأغيار بزعم أنه يضع لنفسه قوانين خاصة كما كانت كثرة زوجاته موضع غمز ونقد أيضا بزعم أن ذلك يدلّ على شدة شهوانيته.
ولقد ردّ كتّاب المسلمين على هذا وذاك ردودا متنوعة وجيهة. منها أن النبي ﷺ في تعدد زوجاته لم يكن شاذّا عن بيئته وعن الطبيعة البشرية. ومنها أن لأكثر زوجاته ظروفا غير دواعي الرغبة الجنسية إذ توخّى في بعضها تكريم صاحبيه أبي بكر وعمر وفي بعضها توثيق الرابطة بين الإسلام وبعض القبائل كزيجته بجويرية المصطلقية التي كان من نتائجها إسلام جميع قبيلتها وفي بعضها تكريم الزوجات التي مات أزواجهن في الحبشة أو استشهدوا في الجهاد مثل أم حبيبة وأم سلمة «٢» وسودة. ومنها أن نصف زوجاته كنّ من المتقدمات في السنّ وأمهات أولاد كبار ممن تقلّ الرغبة الجنسية فيهن عادة. وجوهر ومدى الردود صحيحان كلّ الصحة «٣».

(١) انظر تفسير الآيات في البغوي والخازن وابن كثير والطبري والطبرسي ثم ابن هشام ج ٤ ص ٣٢٤ وابن سعد ج ٣ ص ١٦٩.
(٢) أورد ابن كثير في سياق الآية [١٥٥] من سورة البقرة حديثا رواه الإمام أحمد عن أم سلمة جاء فيه: «إن النبي ﷺ خطبها بعد انتهاء عدّة حدادها على زوجها أبي سلمة الذي مات شهيدا في حرب، فقالت له: أنا امرأة قد دخلت السن وأنا ذات عيال وأنا امرأة شديدة الغيرة فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبا الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي».
(٣) انظر كتاب حياة محمد لهيكل طبعة ثانية ص ٣٠٣- ٣١٧ وتاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم ج ١ ص ١٣٠- ١٣٦، وحقائق الإسلام وأباطيل خصومه لعباس محمود العقاد ص ١٩٦- ١٩٩.

صفحة رقم 405

ومما يصح أن يضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ حينما تزوج لأول مرة في شبابه تزوج بمن تزيد عنه في السن سنين كثيرة. وظلّ مقتصرا عليها طيلة حياتها التي بلغت فيها سنّ الشيخوخة أو كادت. وكان من أسرة رفيعة ويستطيع أن يخطب ويتزوج بالأجمل والأفتى قبل زوجته وبعدها لو كان دافعه شهوانيا وحسب، رغم أن هذا ما تبرره البيئة والتقاليد والطبيعة كما قلنا. وكان ينبغي على الغامزين لو يشعرون بشيء من الإنصاف والحياء أن يتبينوا كل ذلك في ظرف التخيير الذي شرحناه في سياق الآية [٢٨] والذي بدا فيه رسول الله في أروع صورة من التسامي ونبذ لذائذ الحياة وأن يتذكروا أنه كان في قدرته بعد نبوته ثم بعد هجرته بخاصة أن يتزوج بالأفتى والأجمل والأغنى وليس بالمطلقات والأرامل وأمهات الأولاد والمتقدمات في السن.
ونقول على سبيل المساجلة إن النبي لم يكن في حاجة إلى تشريع خاصّ لو لم يكن هناك ظروف قاهرة. وكان بإمكانه أن يستغني عن المتقدمات في السنّ وذوات الأولاد وغير الجميلات لو كانت دواعيه هي الرغبة الجنسية وحسب. وقد شرحنا هذه الظروف في سياق تفسير الآية [٥١] التي تضمنت إشارة إليها. وهي ظاهرة الصواب والحكمة والسموّ لا يكابر فيها منصف. ولقد تضمنت هذه الآية بالإضافة إلى ذلك إيعازا بعدم مباشرة أكثر من العدد المحدد على ما شرحناه كذلك فكان فيه توفيق بين هذه الظروف والتحديد القرآني. يضاف إلى هذا أن الآية [٥٢] قد حرّمت التزوج على النبي بالمرة بعدها حتى ولو لم يبق في عصمته زوجة من زوجاته بالطلاق أو الموت على ما رجّحنا أنه المتبادر منها. وفي هذا ردّ مفحم آخر على الغامزين.
هذا، والآيات كما رجحنا قد تضمّنت استدراكا لآية سورة النساء [٣] التي اعتبرت تشريعية في تحديد عدد الزوجات الذي يصحّ للمسلم جمعه في عصمته في

صفحة رقم 406

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية