وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ : ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس : هو الكبشُ الذي قرّبه هابيل فقُبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فُدِي به ولد إبراهيم. وعنه : لو تمت تلك الذبيحة لصارت سُنَّة، وذَبَحَ الناسُ أولادهم. رُوي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه ؛ سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سُنَّة في الرمي. قلت : والجمهور : أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سُنَّة في الرمي. ورُوي أنه لما ذبحه، قال جبريل : الله أكبر، فقال الذبيح : لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم : الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سُنَّة صبيحة العيد.
قال البيضاوي : واحتج به من جوّز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأموراً بالذبح، لقوله : افعل ما تؤمر ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمان الفاسي في الحاشية : وَلَمَّا بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء ؛ لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتمّ الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى : صَدَّقْتَ الرؤيا وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعاً، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمَن بعدهما إلى غابر الدهر. ه.
وقيل : إن هذه الآية نُسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناءً على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال : والحق : إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال : فيه تدافع، فانظره.
قال القشيري : يُقال في القصة : أنه رآه راكباً على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأُمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظَهَرَ الفداء. وقيل له : كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة : أنه أمَرَ أباه أن يَشُدّ يديه ورِجْلَيه ؛ لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذبح، فيُعاتَب، ثم لمَّا هَمَّ بذبحِه قال : افتح القيدَ عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أُعاتب، فيقول : أمشدودَ اليد جئتني ؟ وأنشدوا :
قيل : إن الولد كان أشدَّ بلاء، لأنه وَجَدَ الذبح من يد أبيه، ولم يتعوَّد منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد ؛ إذ لم يتوقعه منها. وقيل : بل إبراهيم أشد بلاء ؛ لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأتِ الولد بالدعوى، بل قال : إن شاء الله، فتأدّب بلفظ الاستثناء. ثم قال : ويقال : إنَّ الله ستر عليهما ما عَلِمَ أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة، لئلا يَبْطُلُ معنى الابتلاء، وهو توجُّع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [ يسند عيون التهدي إلى الحال ]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبيّن الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلاَّ لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه ؛ إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. هـ. ملخصاً. ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمًّا لكان السُّمُّ من يدهِ يطيب
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي