أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ أَيْ: وَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ.
قُلْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ صَاغِرُونَ، وَالدُّخُورُ أَشَدُّ الصَّغَارِ.
فَإِنَّمَا هِيَ أَيْ: قِصَّةُ الْبَعْثِ أَوِ الْقِيَامَةِ، زَجْرَةٌ أَيْ: صَيْحَةٌ، وَاحِدَةٌ يَعْنِي: نَفْخَةُ الْبَعْثِ، فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ أحياء.
وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ أَيْ: يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ.
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ يَوْمُ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْ: أَشْرَكُوا، اجْمَعُوهُمْ إِلَى الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَأَزْوَاجَهُمْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ والكلبي: كل من عَمَلٍ مِثْلِ عَمَلِهِمْ، فَأَهْلُ الْخَمْرِ مَعَ أَهْلِ الْخَمْرِ، وَأَهْلُ الزِّنَا مَعَ أَهْلِ الزِّنَا.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: قُرَنَاءَهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي سِلْسِلَةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَزْوَاجُهُمُ الْمُشْرِكَاتُ.
وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي: الْأَوْثَانَ وَالطَّوَاغِيتَ. وَقَالَ: مُقَاتِلٌ: يَعْنِي إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: "أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ" (يس -٦٠).
فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُّوهُمْ إِلَى طَرِيقِ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَدِّمُوهُمْ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّابِقَ هَادِيًا.
وَقِفُوهُمْ احْبِسُوهُمْ، يُقَالُ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا فَوَقَفَ وُقُوفًا.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا سِيقُوا إِلَى النَّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّرَاطِ لِأَنَّ السُّؤَالَ عِنْدَ الصِّرَاطِ، فَقِيلَ:
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنْ جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَفِي الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ" (١).
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر