ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا بعد الأكل منها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ الشوب : الخلط.
قال الفراء يقال : شاب طعامه وشرابه : إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوباً وشيابة، والحميم : الماء الحارّ. فأخبر سبحانه : أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحارّ، ليكون أفظع لعذابهم، وأشنع لحالهم كما في قوله : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [ محمد : ١٥ ] قرأ الجمهور شوباً بفتح الشين، وهو : مصدر، وقرأ شيبان النحوي بالضم. قال الزجاج : المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى : المشوب، كالنقص بمعنى : المنقوص.
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال :«كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثى على ركبتيه، فجعل يبكي حتى بلّ الثرى، ثم قال : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون ».
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على مريض يجود بنفسه، فقال : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : مرّ أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس، فلما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى [ القيامة : ٣٤، ٣٥ ]، فلما سمع أبو جهل قال : من توعد يا محمد ؟ قال :«إياك» قال : بما توعدني ؟ قال :«أوعدك بالعزيز الكريم» فقال أبو جهل : أليس أنا العزيز الكريم ؟ فأنزل الله : شَجَرَةُ الزقوم *طَعَامُ الأثيم إلى قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم [ الدخان : ٤٣-٤٩ ] فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه، فأخرج إليهم زبداً وتمراً، فقال : تزقموا من هذا، فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا، فأنزل الله إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم إلى قوله : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ . وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال : لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً قال : لمزجاً. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال : في قوله : لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ يخالط طعامهم، ويشاب بالحميم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء، ويقيل هؤلاء أهل الجنة وأهل النار، وقرأ :" ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ قال : وجدوا آباءهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني