قوله : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ لما عاتبوا إبراهيمَ على كسر الأصنام ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها فقال : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ( * ) والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ووجه الاستدلال : أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبوداً البتة فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه الآثار تصرفه فلو صار معبوداً عند ذلك لكان معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً إذا حصلت آثارُ تَصَرُّفَاتِهِ١ فيه صار معبوداً ( إلى٢ ( ذلك ) )، وفساد ذلك معلوم ببديهة العقل.
قوله : وَمَا تَعْمَلُون في «ما » هذه أربعة أوجه :
أجودها : أنها بمعنى الذي أي وخلق الذي تصنعونه٣، فالعمل هنا التصوير والنحت نحو : عمل الصانع السِّوار الذي صَاغَه. ويرجح كونها بمعنى الذي تقدم «ما » قبلها فإنها بمعنى الذي أي أتعبدون الذي تنحتون والله خلقكم وخلق الذي تعملون ( ه )٤ بالنحت. ٥
والثاني : أنها مصدرية أي خلقكم وأعمالكم٦، وجعلها الأشعريَّة دليلاً على خلق أفعال العباد لله تعالى وهو الحق، إلا أن دليل ذلك من هنا غير قوي لما تقدم من ظهور كونها بمعنى الذي٧، وقال مكي : يجب أن تكون ما والفعل مصدراً جيء به ليفيد أن الله خالقُ الأشياء كلها. وقال أيضاً : وهذا أليق لقوله : مِن شَرِّ مَا خَلَقَ [ الفلق : ٢ ] أجمع القراء على الإضافة فدل على أنه خالق الشر. وقد فَارَقَ عمرو بنُ عُبَيد٨ الناس فقرأ مِنْ شَرِّ بالتنوين٩ ليثبت مع الله خالقين١٠، وشنع الزمخشري على القائل هنا بكونها مصدريةً.
والثالث : أنها استفهامية١١ وهو استفهام توبيخ، أي :( و ) أيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ ؟
الرابع : أنها نافية١، أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم ( لا )٢ تعملون شيئاً،
٢ ما بين القوسين الكبيرين سقط من ب وما بين القوسين الصغيرين سقط من أ. وانظر: الرازي ٢٦/١٤٩..
٣ في ب: يصنعونه. وقال بموصولية ما الزمخشري في الكشاف ٣/٣٤٥ وأبو البقاء في التبيان ١٠٩١ ونقلها مكي في المشكل ٢/٢٣٩ ورجحه أبو حيان في البحر ٧/٣٦١ والسمين في الدر ٤/٥٦٣..
٤ الهاء سقطت من ب..
٥ وانظر المرجع الأخير السابق..
٦ مشكل الإعراب ٢/٢٣٩. وهو اختياره ورجحه على غيره. وانظر أيضا البيان ٢/٣٠٦ والإعراب ٣/٤٣٠ والتبيان ١٠٩١ والسمين ٤/٥٦٢..
٧ السابق وانظر: مشكل الإعراب ٢/٢٣٩..
٨ هو عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري وردت عنها الرواية في حروف القرآن روى عن الحسن وسمع منه وعنه بشار بن أيوب مات سنة ١٤٤ هـ انظر: غاية النهاية ٢/٦٠٢..
٩ نقلها أبو حيان في بحره عن ابن عطية البحر ٨/٥٣٠ وكذلك صاحب الإعراب ٢/٢٣٩ ونسبها ابن خالويه إلى عمرو بن فائد ص ١٨٢..
١٠ انظر: مشكل الإعراب لمكي المرجع السابق..
١١ المرجع السابق وانظر: التبيان ١٠٩١ والبيان ٢/٣٠٦ والإعراب ٣/٤٣٠ ومشكل إعراب القرآن ٢/٢٤٠ والبحر المحيط ٧/٣٦٧ والدر المصون ٤/٥٦٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود