وتمحيص مسألة الذبح من ولديه
وهذه حلقة ثانية من السلسلة احتوت قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه وأصنامهم وقصة رؤياه في المنام أنه يذبح ابنه وإقدامه على تنفيذ ذلك على اعتبار أنه أمر رباني وفدائه بذبيحة ربانية. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والشطر الأول من القصة لم يرو في سفر التكوين المتداول اليوم، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون ورد في أسفار وقراطيس مفقودة وهو ما نعتقده. وفي سورتي الشعراء ومريم ورد شيء مما جاء في هذا الشطر، وجاء هنا بشيء من الخلاف الأسلوبي وشيء من الزيادة كما اقتضته حكمة التنزيل لتتكامل القصة وعبرتها.
ولقد علقنا على ما جاء في السورتين المذكورتين اللتين سبق تفسيرهما ونبهنا على ما فيهما من عبرة بالنسبة للعرب فلا نرى ضرورة للإعادة.
والزيادة الجديدة هنا هي تآمر قوم إبراهيم عليه وإلقاؤهم إياه في النار وإحباط الله كيدهم وتنجيته، وقد جاء ذلك في القرآن مرتين أخريين واحدة في سورة الأنبياء وأخرى في سورة العنكبوت.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآيتين [ ٦٨ – ٦٩ ] من سورة الأنبياء اللتين ذكر فيهما الخبر الزائد الجديد بيانات معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتابعيهم في كيفية تأجيج قوم إبراهيم النار وشدة وهجها واتقادها وتسجيرها سبعة أيام ورميهم إبراهيم فيها بالمنجنيق بإشارة من إبليس وصيرورة النار عليه بردا وسلاما حتى إنها لم تحرق وثاقه وتلقي جبريل له فيها الخ الخ مما يفيد أن هذا الخبر بتفصيلاته مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم يرووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس له مصدر والحالة هذه إلا اليهود كما هو المتبادر.
والعبرة في الزيادة هنا واضحة فيما كان من عناية الله تعالى بإبراهيم الذي أخلص لله وأسلم نفسه له وتنجيته إياه من كيد الكفار ونارهم.
أما الشطر الثاني من القصة فقد ذكر في الإصحاح ( ٢٢ ) من سفر التكوين المتداول بأسلوب متوافق إجمالا مع ما جاء في الآيات [ ١٠٢ – ١٠٧ ] مع ذكر كون الذبيح إسحق عليه السلام. وفي كتب التفسير أحاديث نبوية وروايات معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتابعيهم في صدد ذلك منها ما يفيد أن الذبيح إسحق، ومنها ما يفيد أنه إسماعيل. وفيها مع ذلك استنباطات اجتهادية للمفسرين. وللعلماء منها ما انتهى إلى أنه إسحق، ومنها ما انتهى إلى إسماعيل أيضا. وقد شغل هذا الموضوع جزءا كبيرا في هذه الكتب. والذين استنبطوا من القرآن أنه إسحق قالوا إنه ليس في السلسلة إلا اسم إسحق، وفيها بشارة به وهو غلام وبشارة بنبوته. وإنه ليس في القرآن بشارة إلا بإسحق. حيث ورد ذلك صراحة في آيات سورة هود [ ٦٩ و ٧٠ ] التي سبق تفسيرها وضمنا في آيات في سورة الذاريات فيها قرينة قوية على ذلك ومماثلة لآيات هود : فأوجس منهم خفية قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ( ٢٨ ) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ( ٢٩ ) قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم ( ٣٠ ) . والذين استنبطوا من القرآن أنه إسماعيل قالوا : إن الله ذكر البشارة بإسحق في آيات هذه السورة بعد الفراغ من قصة الرؤيا والذبيح. وأن الله بشره بأنه سيكون له نسل، ونحن نرى في هذا وجاهة وسدادا.
وننبه أولا : على أنه ليس شيء من مما يعزى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من ذلك واردا في كتب الصحاح. ثانيا : على أن معظم الأحاديث والروايات في جانب كون الذبيح هو إسماعيل وكون الحادث وقع في منطقة مكة بعد أن أسكن إبراهيم إسماعيل عليهما السلام فيها. وإسكان إبراهيم لإسماعيل في منطقة مكة مؤيد بآيات وردت في سورتي البقرة وإبراهيم حيث جاء في سورة إبراهيم : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوات فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( ٣٧ ) وحيث جاء في سورة البقرة هذه الآية التي تفيد كون الذي أسكنه إبراهيم هو إسماعيل : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( ١٢٧ ) .
ولقد روى البغوي فيما روى أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا يهوديا كان أسلم وحسن إسلامه عن شخص الذبيح فقال : إنه إسماعيل ولكن اليهود زعموا أنه إسحق حسدا للعرب ؛ لأن إسماعيل الذي كرمه الله بالنداء هو أبوهم فأرادوا أن يجعلوا الفضل لأنفسهم حيث ينطوي في هذا اتهام لليهود بتحريف الخبر في كتبهم. ومثل هذا التحريف ملموح في سفر التكوين ؛ حيث تعمد كاتبوه تفضيل إسحق على إسماعيل مع أن هذا بكر إبراهيم وتفضيل يعقوب على عيسو مع أن عيسو بكر إسحق لأن يعقوب وإسحق هما أصلا بني إسرائيل دون إسماعيل وإخوته الآخرين ودون عيسو مما نبهنا عليه وعلى أمثاله في سياق تعليقنا على التوراة والإنجيل في تفسير سورة الأعراف، وفي القرآن ورد أكثر من مرة أنهم كانوا يحرفون كتاب الله ويقولون عما يكتبون أنه من الله وما هو من الله فليس ذلك التحريف بعيد عن طباعهم والله تعالى أعلم.
وفي الإصحاح ( ٢٢ ) من سفر التكوين إن الفداء كان كبشا وجده إبراهيم قربه، وبعض الروايات التي يرويها المفسرون عن علماء الصدر الأول تذكر أنه كبش أقرن أملح نزل من الجنة. وبعضها يذكر أنه تيس من الأروى هبط إلى إبراهيم من جبل ثبير بين عرفات ومنى. ومما ذكرته هذه الروايات أن إبليس تعرض لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وحاول التشويش عليهما وتعويقهما عن تنفيذ ما أمر إبراهيم بفعله في المنام الذي اعتبره وحيا ربانيا فكان إبراهيم يرجمه بالحصى مرة بعد مرة. وكان هذا الرمي هو أصل تقليد رمي الحصى الذي يرميه الحجاج في منى بعد نزولهم من عرفات. وهذه الروايات من جملة الروايات التي تفيد أن الذبيح إسماعيل والله أعلم.
وعلى كل حال فالذي نرجحه أن سامعي القرآن كانوا يعرفون القصة. وأن المهم فيها هو ضرب المثل بعباد الله الصالحين الذين منهم إبراهيم عليه السلام ؛ حيث أقدم على تنفيذ ما ظنه وحيا من الله مهما كان فيه تضحية بالغة للتدليل على انقياده وإسلامه النفس لله تعالى، وحيث وافق ابنه الصبي على ذلك بطيبة خاطر ورضاء نفس للتدليل كذلك على انقياده وإسلامه النفس لله تعالى، وبذلك استحقاق ثناء الله وتنويهه وتكريمه وكانا مظهر رعايته وتجلياته.
ولقد انطوى في جملة ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين تقرير واقع بالنسبة لذرية إبراهيم وإسحق عليهما السلام حيث كان منهم المحسن الصالح والمنحرف الآثم المهلك نفسه بانحرافه وإثمه. ومن الممكن أن يلمح في هذا رد على دعوى بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار. فهم مثل سائر البشر منهم الصالح الذي يستحق تكريم الله ورحمته والآثم المنحرف الذي يستحق عذاب الله وسخطه وغضبه. وفي آية في سورة المائدة ذكر هذا التأويل بصراحة وهي هذه : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير ( ١٨ ) . مع التنبيه على أن في القرآن آيات كثيرة١ تفيد أن جميعهم إلا قليلا صاروا موضع سخط الله وغضبه ولعنته بما كان منهم من نقض لميثاقه وانحراف ديني وخلقي ومواقف مؤذية لرسل الله ثم لخاتم رسله.
ويلحظ أن الشطر الأول من القصة احتوى إشارة إلى ما كان من نظرة إبراهيم عليه السلام في النجوم التي ذكرت في السورة السابقة حيث يمكن أن يكون ما جاء هنا زيادة بيانية عما جرى بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه قد جاء تتمة للكلام في سورة الأنعام، وحيث يمكن أن يكون في ذلك دلالة على صحة رواية نزول هذه السورة بعد سورة الأنعام.
تعليق على جملة
والله خلقكم وما تعملون
ونريد أن ننبه إلى أمر كان من مواضيع الجدل بين المفسرين وعلماء الكلام حيث استند بعضهم على آية والله خلقكم وما تعملون في تقرير كون الله عز وجل قد خلق الناس وخلق أعمالهم، وأن أعمال الناس غير مكتسبة منهم وإنما هي مقدرة محتمة عليهم، بينما أنكر ذلك فريق آخر٢. وبقطع النظر عن عدم اتساق التقرير المذكور مع تقريرات القرآن الحاسمة الكثيرة التي تؤكد بأساليب مختلفة قابلية الناس على الكسب والاختيار واستحقاقهم الجزاء، وفاق ذلك على ما ذكرناه في مناسبات عديدة سابقة، فإن الآية المذكورة ليست تقريرا قرآنيا مباشرا في صدد خلق الناس وأعمالهم، وإنما هي من جملة ما حكي من أقوال إبراهيم عليه السلام لقومه في صدد محاججتهم والتنديد بهم. فهم يعبدون أصناما ينحتونها بأيديهم فقال لهم : إن الله خلقكم وخلق ما تنحتون على سبيل الإفحام الإلزام، وإن إيراد الآية في معرض الاستبدال على خلق الله لأعمال الناس في غير محله. ولقد جاء في سورة العنكبوت آية حكي فيها قول لإبراهيم عليه السلام لقومه أيضا نسب فيه الخلق إليهم وهي هذه : إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا [ ١٧ ] مما فيه تأييد لما نقول.
ولقد تكرر هذا كثيرا من علماء الكلام والمفسرين لدعم مذهب أو رأي تأويل حيث عمد بعضهم إلى اقتطاع آية من سلسلة أو جملة من آية ويوردونها دليلا، في حين أن بقية الآية أو بقية السلسلة في صدد آخر لا تتحمل ما أوردوا تحميله لهما مما مر منه أمثلة عديدة.
تعليق على ما وصف
بكذبات إبراهيم عليه السلام
ويورد المفسرون في سياق جملة إني سقيم المحكية عن لسان إبراهيم في هذه الآيات وفي سياق جملة : بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون في الآية [ ٦٣ ] من سورة الأنبياء حديثا رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة جاء فيه :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة. فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال له : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتي بها فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها : ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت أشد من الأولى فقال لها مثل ذلك، ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال لها ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله ألا أضرك ففعلت فأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها فقال له : إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتيني بإنسان فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر. قال فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف الخادم فقال لها مهيم ( ماذا جرى ؟ ) قالت : خيرا كف الله يد الفاجر وأخدمني خادما قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء السماء )٣. ومع ذلك فإن بعض المفسرين أرادوا صرف صفة الكذب الصريح عن إبراهيم عليه السلام فقالوا : إن كلامه كان من المعاريض وبعضهم لم ير بأسا في الوصف وقد جاء صريحا في الحديث النبوي. ومعظمهم رأوا في مثل هذه الكذبات وظروفها أسوة يمكن أن يسار عليها ويتأسى بها. ولاسيما إذا كانت في سبيل ا
التفسير الحديث
دروزة