قل لا أجد فيما أوحي إليّ : طعاما، مُحرّما على طاعمٍ يطعمه : يعني أن التحليل والتحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى، ولا يعلم بالوحي أن شيئا من الطعام حرام في وقت، إلا : في وقت، أن يكون : الطعام، ميتة أو دما مسفوحا١ : مصبوبا سائلا لا كالكبد والطحال، ومن قرأ برفع ميتة فعنده كان تامة و( دما ) عطف على أن يكون أي : إلا وجود ميتة، أو لحم خنزير : لحمه أو الخنزير، رجس : حرام، أو فسقا٢ عطف على لحم خنزير أهلّ لغير الله به صفة له موضحة، فمن اضطر : إلى كل شيء من ذلك، غير باغ : على مضطر مثله، ولا عاد : قدر الضرورة وقد مر معناهما في البقرة، فإن ربك غفور رحيم٣ : لا يؤاخذه، والآية دالة على أن ما أوحي في حرمته إلى تلك الغاية هو ذلك، وهذا لا ينافي التحريم في أشياء أخر بعد هذا.
٢ سمي فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما فإن أجل العبادات المالية إراقة الدم تقربا إلى الله، قد جمع الله بينها وبين الصلاة في قوله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (الأنعام: ١٦٢)، والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه في قوله: (فصل لربك وانحر) (الكوثر: ٢)، فكما أن الصلاة أعظم العبادات البدنية وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع في غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية وأصحاب الهمم العالية كذلك النحر من أجل العبادات المالية وما يجتمع له في نحره من إيثار لله وحسن الظن به، وقوة اليقين، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه كثير النحر حتى نحر بيده ثلاثا وستين بدنة وكان ينحر في الأعياد وغيرها في قوله تعالى: (فصل لربك وانحر) لطيفة دالة على أن ربك مستحق لذلك وأنت جدير بأن تعبده، وتنحر له وفي إن شانئك هو الأبتر، تعريض بحال الأبتر، الشانئ الذي صلاته ونسكه لغير الله كما في الحديث (ملعون من ذبح لغير الله) هذا ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسيره لسورة الكوثر وقد مر هذا البحث في البقرة، والمائدة فتذكر/١٢..
٣ ولما ذكر أن التحريم ليس إلا من الله تعالى، وبين خطأ قريش كأن قائلا قال: أليس تحريم بعض الأشياء من قبل إسرائيل كما قالت اليهود كذبهم الله تعالى فقال: (وعلى الذين هادوا حرمنا) الآية/١٢ وجيز..
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين