ويقول سبحانه بعد ذلك :
قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٤٥ ) :
والحق سبحانه وتعالى قد تكلم عن التحريم في آيات كثيرة ؛ فهناك الآية التي قال فيها : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ.. ( ٣ ) [ سورة المائدة ].
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحصر في أربعة فقط، فيقول سبحانه :
قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ.. ( ١٤٥ ) [ سورة الأنعام ].
فكيف يتفق هذا النص مع النص الآخر ؟ !
من يقول ذلك نقول له : أنت لا تفرق بين إيجاز وإطناب، ولا تفرق بين إجمال وتفصيل ؛ فالذي ترك في هذه الآية داخل في الميتة ؛ لأن المنخنقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، والذي ذبح على النصب وما أهلّ به لغير الله موجود وداخل في كلمة " الميتة ".
ثم : من قال : إن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع ؟ التشريع أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بتفويض من الله في قوله تعالى : وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.. ( ٧ ) [ سورة الحشر ].
فلا تقل إن المحرمات فقط محصورة في هذه الآية لأن فيه محرمات كثيرة، بدليل أن الله مرة يجملها، فيحرم علينا الخبائث ؛ فكل خبيث محرم. وقلنا من قبل : إن الدم المسفوح محرم، والدم المسفوح هو السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح، وهل هناك دم غير مسفوح ؟ نعم، وهو الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضوا في الجسم كالكبد والطحال. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان ودمان : فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال " ١ وفي رواية أخرى : السمك والجراد.
وعلى منطق التحريم للميتة والدم كان لابد ألا نأكل الميتة من السمك. ولا الكبد والطحال، ولكن الله أحل لنا السمك والجراد والكبد والطحال، لأنها لا تضر الجسم، فالسمك والجراد ليس لهما نفس سائلة أي دم يجري ؛ فإذا ما ذبحنا أحدهما لا يسيل له دم، أما الكبد والطحال فهما من دم وصل من الصلاحية أنه يكوّن عضوا في الجسم، ولا يتكوّن عضو في الجسم يؤدي مهمة من دم فاسد، بل لابد أن يكون من دم نقي.
والحق الذي شرع يقدر الظروف المواتية للمكلّفين، وقد تمر بهم ظروف وحالات لا يجدون فيها إلا الميتة، وهنا يأكلون أكل ضرورة على قدر دفع الضر والجوع. لكن على المسلم ألا يملأ بطنه من تلك الأشياء. .. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٤٥ ) [ سورة الأنعام ] : وأنواع الاضطرار : ألا تجد ما يؤكل من الحلال، أو أن يكون ما يؤكل من الحلال موجودا إلا أن هناك من يكرهك على أن تأكل هذا المحرم، فالإكراه داخل في الاضطرار، والاضطرار يحملك ويدفعك إلى أن تمنع عن نفسك الهلاك ؛ فتأخذ من طعام حتى تقتات فلا تموت من الجوع، فإذا كان الله قد أباح لك أن تأكل من الميتة في حال مظنة أن تموت من الجوع فمالك من الإكراه بالموت العاجل ؛ إنه أولى بذلك ؛ لأنه سبحانه هو الذي رخّص، وهو الذي شرع الرخصة، ومعنى ذلك أنها دخلت التكليف ؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وما دامت قد دخلت في دائرة التكليف فهنا يكون الغفران والرحمة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي