ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

يقول الله جل وعلا : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم١٤٥ ( الأنعام : الآية ١٤٥ ).
تكلمنا بالأمس بعض الكلام على هذه الآية، وذكرنا حكم الميتات البرية والبحرية، وذكرنا بعض ما زادته النصوص من المحرمات على هذه المحرمات الأربع، وذكرنا خلاف بعض العلماء في أشياء منه. وسنتكلم- إن شاء الله- الآن بعض الكلام على بقية الآية.
والمعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان المشركون في زمانه يحرمون بعض ما أحل الله، وأقام عليهم الحجج الواضحة، وأفحمهم بالمناظرة في قوله : قل ء الذكرين حرم ( الأنعام : الآية ١٤٣ ) كما بينا وجه إفحامهم بالسبر والتقسيم في الآية، أخبرهم أنه لا تحريم إلا بالوحي، لا بالاجتهاد والهوى، فإنما الذي يحرم : الله، والطريق التي يعرف بها تحريم الله وتحليله هي الوحي، لا اتباع الهوى، أمر أن يقول : لا أجد في ما أوحي إلي محرما شيئا من هذه المحرمات التي تزعمون انها حرام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكما في بطون تلك الأنعام التي قلتم هو محرم. وما حرمتم من الحروث، والزروع، والأنعام، كل هذا لا أجده حراما علينا فيما أوحى الله إلينا، وإنما أجد فيما أوحي تحريمه : هذه الأربعة.
لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه لطالب العلم أن يقول : لما قال : على طاعم لم لا تكفي عنه قوله : يطعمه ؟ وهو أسلوب عربي معروف تذكره العرب في لغتها، وهو كثير في القرآن، كقوله : ولا طائر يطير بجناحيه ( الأنعام : الآية ٣٨ ) ومعلوم أنه لا يطير إلا بهما.
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ( البقرة : الآية ٧٩ ) ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم.
إلا أن يكون ميتة قدمنا فيه أوجه القراءات، وأحكام أنواع الميتة.
وقوله : أو دما مسفوحا عطف على قوله : ميتة . أما على قراءة الجمهور فهو منصوب معطوف على منصوب إلا أن يكون ميتة أو دما . فهو معطوف على ميتة المنصوب على أنه خبر كان.
وأما على قراءة ابن عامر لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن تكون ميتة أو دما مسفوحا فعطف المنصوب على المرفوع قد يشكل على طالب العلم، والجواب : أن قوله : أو دما بالنصب في قراءة ابن عامر معطوف على المصدر المنسبك من( أن ) وصلتها في قوله : إلا أن يكون إلا كونه ميتة أو دما، هكذا قاله بعض المعربين.
والدم المسفوح : المسفوح اسم مفعول( سفحه يسفحه ) إذا صبه.
وتقول العرب :" سفح الماء فهو سافح، وسفحه بوله يسفحه فهو سافح ". والمفعول : مسفوح. وقد يستعمل متعديا ولازما. فمن استعماله متعديا قوله هنا : أو دما مسفوحا لأن المسفوح اسم مفعول ( سفحه يسفحه ) فالفاعل سافح، والمفعول مسفوح، إذا أراقه وصبه، ومن إتيان ( السافح ) اسم فاعل ( سفح ) اللازمة قول ذي الرمة غيلان بن عقبة :
أمن دمنة جرت بها ذيلها الصبا *** لصيداء- مهلا- ماء عينك سافح
أي : جار منصب. وهو هنا من ( سفح ) اللازمة.
والدم المسفوح : هو المصبوب من شيء حي، كما كان يفعله العرب، أو يكون خارجا من أجل الذكاة أو العقر. كانت عادة العرب إذا جاعوا أن يفصد الواحد منهم عرقا من جمله، ثم يجعل تحت الدم إناء، حتى يجتمع من عرق الجمل دم في الإناء، ثم يطبخه بالأبازير ويأكلونه، فحرم الله عليهم أكل الدم. وهو حرام، والانتفاع به حرام.
وأصل الدم : أصله( دمي ) بالياء على التحقيق، فلامه المحذوفة ياء، وغلط من علماء العربية من زعم أن لامه المحذوفة واو ووزنه بالميزان(.... ) ( في هذا الموضع انقطع التسجيل. ويمكن استدراك ذلك بمراجعة أضواء البيان( ١/١٠٤-١٠٥ ) ).
فتكون بالعين( يدمى ) والألف مبدلة من الياء، أصله ( يدمي ) كما هو معروف.
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا *** ولكن على أقدامنا تقطر الدما
هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت
هذا أصل الدم، وهو من الكلمات التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين كدم، وغد، ويد، وثد، كما هو معروف. فلامه محذوفة لم يعوض عنها شيء.
والدم المسفوح : هو الذي صب من شيء حي، كفصد عرق الدابة، أو جرحها فيسيل منها دمه، أو هو الذي يسيل عند التذكية، كأن تذبح فيسيل من عروقها، أو عند العقر كأن يرميها بالنبل فيسيل الدم. هذا هو الدم المسفوح.
واعلموا أن الدم نزلت في تحريمه أربع آيات من كتاب الله، ثلاث منها مطلقة لا قيد فيها، وهي قوله في النحل : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ( النحل : الآية ١١٥ )وقوله في سورة البقرة : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ( البقرة : الآية ١٧٣ ) وقوله في المائدة : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ( المائدة : الآية٣ ) فقد أطلق الدم عن قيد المسفوحية في النحل والبقرة والمائدة، وجاء مقيدا في الانعام بكونه مسفوحا. وجماهير العلماء على أن المطلق يحمل على المقيد، ولا سيما إن اتحد سببهما وحكمها كما هنا، سواء كان المقيد هو الأول في النزول، أو هو الآخر، لأن المقيد هنا هو المتقدم في النزول، لأن سورة الأنعام نازلة قبل السور الأخر الثلاث التي حرم فيها الدم، التي هي النحل، والبقرة، والمائدة. أما كون الأنعام قبل البقرة والمائدة فهو واضح لا يخفى، لأن الأنعام مكية بالإجماع، والبقرة والمائدة مدنيتان بالإجماع، فهذه قبل الهجرة، وهاتان بعدها، فكونهما بعدها لا إشكال فيه. أما النحل فالتحقيق أنها مكية، وزعم بعضهم أنها مدنية، وهو غلط ممن زعمه، والذي سبب هذا الغلط : أن خواتيم سورة النحل نزلت في المدينة في شهداء احد لما مثل المشركون بحمزة بن عبد المطلب-رضي الله عنه- وعبد الله بن جحش وغيره من شهداء أحد، فقد قطعوا آنافهم وآذانهم، وأخذت هند بنت عتبة بن ربيعة- وهي يوم أحد كافرة- نظمت قلادة من آذان الصحابة وآنافهم، كما هو معروف في السيرة، وتقلدتها، وأخذت قلادتها وجعلتها في عنق الوحشي، عبر جبير بن مطعم بن نوفل بن عدي النوفلي، لأنه هو الذي قتل حمزة، ثم رقيت على صخرة من صخرات أحد وبكت، لأنهم كانوا اشترطوا يوم بدر ألا يبكي أحد منهم على قتيله حتى يقتصوه، فلما قتل حمزة وعبد الله بن جحش، هذا عم النبي، وهذا ابن عمته، وقتل شماس بن عثمان من المهاجرين، ومن الأنصار سبعون من خيارهم، رقيت على صخرة من صخرات أحد وبكت تقول :
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري *** شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي علي عمري *** حتى ترم أعظمي في قبري
يذكرون في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف على عمه حمزة-رضي الله عنه- قتيلا وقد مثل به، أنه قال : لئن أظفرني الله بقريش لأمثلن بكذا وكذا رجلا منهم. وأن الله أنزل في ذلك خواتيم سورة النحل وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين١٢٦ ( النحل : الآية ١٢٦ ) هكذا ذكره بعض العلماء، والمشهور عند المفسرين في أسباب النزول أن خواتيم( النحل )هذه مدنية، أما نفس سورة النحل فهي مكية.
وقد نزلت سورة النحل في مكة بعد سورة الأنعام، ودل القرآن في موضعين على أن النحل نازلة بعد الأنعام، أحد الموضعين : أن الله قال في النحل : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ( النحل : الآية ١١٨ )، والمحرم المحال عليه المقصوص من قبل هو المذكور في الأنعام إجماعا في قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما الآية ( الأنعام : الآية ١٤٦ ).
الموضع الثاني من الموضعين الدالين على نزول الأنعام قبل النحل : أن الله قال في سورة الأنعام : سيقول الذين أشركوا لو أشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( الأنعام : الآية ١٤٨ ) فبين أنهم سيقولونها في المستقبل، فعلم أنهم لو يقولوها فعلا في ذلك الوقت، وبين في سورة النحل أن ذلك القول الذي كان موعودا بأنه يقال : أنه قيل ووقع في سورة النحل، حيث قال في النحل : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا ( النحل : الآية ٣٥ )، فدل هذا على أن النحل بعد الأنعام، وأن السور الثلاث-أعني النحل، والبقرة، والمائدة- جاء فيها تحريم الدم مطلقا من غير قيد. وجاء في السورة النازلة أولا وهي الأنعام تقييده بكونه مسفوحا بقوله هنا : أو دما مسفوحا .
فجماهير العلماء من الصحابة وفقهاء الأمصار على أن تلك الآيات المطلقة في النحل، والمائدة، والبقرة، تقيد بقيد( الأنعام ) هذه، فلا يحرم الدم الغير المسفوح، ولذا أطبق العلماء على أن الحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم وهي من الدم أنها معفو عنا وليست بنجس، لأنها ليست من الدم المسفوح. ويدخل في غير المسفوح : الكبد والطحال.
والحاصل أن الذي يظهر من الدم عند تقطيع اللحم وفصل الأعضاء بعضها عن بعض أن جمهور العلماء على أنه ليس بحرام، وليس من المسفوح. وأن الخارجة عند الذكاة، أو المخرج من شيء حي، أو عند العقر أنه هو الدم المسفوح.
واختلف العلماء في الدم الذي يتجمد في القلب عند ذبح الشاة، والذي ينقع في جوفها، خلاف معروف، ومنهم من يقول : هما حلالان، ومنهم من يقول : هما مسفوحان، وفصل علماء المالكية قالوا : الذي يتجمد في القلب طاهر، لأنه ليس بمسفوح، والذي ينقع في الجوف مسفوح، لأنه منعكس إليه من العروق التي سفح منها وقت الذبح. وهذا أظهر والله تعالى أعلم.
هذا معنى قوله : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير جميع هذه الآيات إنما صرحت بتحريم لحم الخنزير. والخنزير حيوان معروف خسيس قبحه الله، ولم تتعرض آية من كتاب الله إلى حكم شحم الخنزير، والعلماء مجمعون على أن شحم الخنزير حكمه حكم لحم الخنزير.
واستدل بهذا على بطلان دعوى ابن حزم أنه لا يحرم شيء إلا ما نص الله على تحريمه، لأن ابن حزم توسع توسعا شنيعا أجتنى به على الشرع، مع علمه وقوة ذهنه، وزعم أن كل ما[ لم ينص ] ( في الأصل : " مانص " وهو سبق لسان، والصواب : أن كل ما لم ينص... إلخ ) الله على أنه حرام أنه لا يمكن أن يكون حراما، ومن هنا حمل على الأئمة –رضي الله عنهم وأرضاهم – مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من فقهاء الأمصار، وتكلم عليهم كلاما شديدا شنيعا غير لائق، وزعم أنهم مشرعون، يشرعون من تلقاء أنفسهم، ولما احتج عليه بإجماع العلماء على أن شحم الخنزير حرام، والله لم يذكره في كتابه قياسا على لحمه الذي نص على تحريمه، أجاب ابن حزم عن هذا بأن قال : الضمير في قوله : فإنه رجس عائد على الخنزير، فيدخل فيه شحمه ولحمه. وخالف في هذا القاعدة العربية المعروفة، لأن الضمائر في الأصل إنما ترجع للمضاف لا المضالف إليه، لأن المضاف هو المحدث عنه، فلو قلت : جاءني غلام زيد فأكرمته. يتبادر أن المكرم هو نفس الغلام لا زيد، وكذلك قوله : لحم خنزير فإنه أي : لحم الخنزير ؛ لأنه هو المحدث عنه.
وربما رجع الضمير على المضاف إليه ناد

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير