يقول الله جل وعلا : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون١٥١ ( الأنعام : آية ١٥١ ) كان بعض السلف يقولون : من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم عليها خاتمها لم يفك فليقرأ هذه الآيات الثلاث من سورة الأنعام : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى قوله : لعلكم تتقون وعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أن هذه الآيات الثلاث من سورة الأنعام هي المحكمات المذكورات في آل عمران منه آيات محكمات هن أم الكتاب ( آل عمران : آية٧ )لم ينسخ الله حكما من أحكامها في شريعة من الشرائع قط بل أحكامها مثبتة في جميع التشاريع السماوية منذ خلق الله الدنيا، فهي محكمات، ولذا قال ابن عباس : إنها المذكورة في قوله : منه آيات محكمات هن أم الكتاب كما قدمنا في آل عمران.
وهذه الآيات تضمنت أصول الشرائع من عقالة ومعاملات واجتماعيات. كما سيأتي إيضاحه في محله.
قل لهم يا نبي الله، الظاهر أنه خطاب لجميع الخلق، وإن كان الكلام السابق مع المشركين. قل لجميع البشر الذين أرسلت إليهم : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ( تعال ) التحقيق ان ( تعال، وهات ) فعلا أمر، وغلط فيهما جماعة من علماء العربية[ فزعموا ] ( في الأصل :" فزعما " ) أنهما اسما فعل. والدليل على ان( هات ) و( تعال ) فعلا امر : أنهما تلحقهما ياء المؤنثة المخاطبة، وياء المؤنثة المخاطبة من علامات الأفعال، ولا تلحق أسماء الأفعال. فالعرب تقول للأنثى :" تعالي يا فلانة " بياء المؤنثة المخاطبة. ومنه قول نابغة ذبيان :
فقلت :
| تعالي نجعل الله بيننا | على ما لنا، أو تنجزي لي آخره |
| إذا قلت هاتي نوليني تمايلت | علي هضيم الكشح ريا المخلخل |
أتل معناه : أقرأ وأقص. والمضارع مجزوم في جواب الأمر. وعلماء العربية يقولون : إن المضارع المجزوم في جواب الأمر أنه في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر دل عليه الأمر، وتقريره : إن تتعالوا، أي : إن تحضروا عندي اتل عليكم ما حرم ربكم، و( أتل ) معناه : أقرأ وأقص. وأصل ( التلاوة ) من :( تلاه يتلوه ) إذا تبعه، لأن ( التلاوة ) مصدر سيال لا تحصل إلا من حرف يتلوه حرف، يتلوه حرف، يتلوه حرف، وهكذا. فأصلها من :( تلاه يتلوه ) إذا تبعه، والعرب تسمي التابع : تاليا، والمتبوع : متلوا. والتباعة تلاوة، ومنه سموا الجمل : تاليا، لأنه يتبع النوق فيشمها ليعرف منها المستعدة للقاح واللاقح كما هو معروف. ومنه قول غيلان ذي الرمة :
| إذا الجافر التالي تناسين عهده | وعارضن أنفاس الرياح الجنائب |
والمصادر قسمان : مصدر سيال، ومصدر غير سيال. فالمصدر الذي ليس بسيال هو الذي يحصل بأدني مرة، كالضرب، فإنك لو ضربت شيئا بشيء مرة واحدة حصلت ماهية الضرب. فالضرب مصدر غير سيال، بخلاف التلاوة والكلام، فلو نطقت بحرف واحد لم تحصل التلاوة، لأنها مصدر سيال لا بد من بعض يتبع بعضا حتى يتم معنى المصدر.
قوله : أتل ما حرم ربكم عليكم ( ما ) هنا : موصولة، وهي على التحقيق في محل المفعول، مفعول( أتل ). معناه : اقرأ وأقص عليكم الذي حرمه ربكم عليكم. وقيل : إنها استفهامية معلقة للفعل. وهو ضعيف، لأن المعروف في علم العربية أن الاستفهام إنما يعلق أفعال القلوب، والتلاوة ليست من أفعال القلوب، فالتحقيق أن( ما ) موصولة، وأنها في محل المفعول. أي : تعالوا اقرأ وأقص عليكم الذي حرم ربكم عليكم.
والتحريم في لغة العرب معناه : المنع. وهو يطلق في الشرع وفي اللغة. يطلق في الشرع على ما حرمه الله، أي : منعه على لسان نبيه، وتوعد مرتكبه بالعقاب. ويطلق في اللغة على منع الشيء، فكل الشيء منعته بالقوة فقد حرمته. ومن إطلاقه بمعناه الشرعي : قوله هنا : أتل ما حرم ربكم عليكم فهو تحريم شرعي. ومن إطلاق التحريم بمعناه اللغوي في القرآن قوله في بني إسرائيل وهو في التيه، قال : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ( المائدة : آية ٢٦ ) فإنه تحريم كوني قدري، لأن الله منعهم إياه، لا تحريم شرعي على التحقيق. ومن إطلاق العرب التحريم على التحريم بمعنى المنع لا بمعنى الشرع قول امرىء القيس :
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري
*** إني امرؤ صرعي عليك حرام
أي : لا تقدرين عليه. ومنه : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون٩٥ ( الأنبياء : الآية ٩٥ ) فهو من التحريم الكوني القدري لا الشرعي، ومنه قول الشاعر :
حرام على عيني أن تطعما الكرى
*** وأن ترقآ حتى ألاقيك يا هند
والتحريم هنا شرعي. عليكم في قوله : عليكم وجهان :
أحدهما : انه يتعلق ب( حرم )، ( حرمه عليكم ) أو يتعلق ب( أتل ) أتلو عليكم ما حرم ربكم.
والثاني : سيأتي في الجواب عن الإشكال الذي في لفظة ( لا ) من قوله : ألا تشركوا .
و ربكم معناه : سيدكم وخالقكم المدبر لشؤونكم.
وقوله : ألا تشركوا بدأ هذه الوصية بعدم الإشراك بالله، لأن إخلاص العبادة لله، وعدم الإشراك به هذا رأس الأمر، وهو الذي بعث الله جميع الرسل من اجله، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل والأمم، والله قد أوضح في كتابه ذلك إجمالا وتفصيلا، قال على سبيل الإجمال : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا بم بعثنا ؟ ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( النحل : آية٣٦ ) وقوله : أن اعبدوا الله هو حظ الإثبات من ( لا إله إلا الله )، واجتنبوا الطاغوت هو حظ النفي من( لا إله إلا الله ) وقوله : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه ، وفي القراءة الأخرى : إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا انا فاعبدون ( الأنبياء : آية ٢٥ )، وقوله : وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون٤٥ ( الزخرف : آية٤٥ ) هذه الآيات الإجمالية ونظائرها في القرآن.
أما التفصيل : فإنا إذا نظرنا إلى دعاوى الرسل وقصصهم مع اممهم وجدنا هذا هو دعوة كل نبي، فأول من بعث بعد الكفر في الأرض : نوح يقول الله فيه : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ماذا قال نوح ؟ فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : آية٥٩ ) ثم قال : وإلى عاد أخاهم هود أي : وأرسلنا إلى عاد اخاهم هودا. ماذا جاءهم به ؟ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : آية ٦٥ )، وإلى ثمود أخاهم صالحا ماذا قال ؟ قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : آية ٧٣ ) وإلى مدين أخاهم شعيب ماذا قال ؟ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( الأعراف : آية ٨٥ )، وهكذا على سبيل التفصيل. فالسماوات والأرض إنما على أشرف كلمة، هي كلمة( لا إله إلا الله ) هي التي خلقت من أجلها الجنة والنار، وامتحن الخلق فيها، ودخل من دخل الجنة بالعمل بها، ودخل من دخل النار بعدم العمل بها، وهي مركبة من جزأين : نفي وإثبات.
فمعنى نفيها : خلع جميع أنواع المعبودات في جميع أنواع العبادات في خالق السماوات والأرض ( جل وعلا ).
ومعنى إثباتها : إفراده( جل وعلا ) وحده بالعبادة التي هي التقرب إلى الله بما أمر أن يتقرب إليه به على وجه الذل، والخضوع، والمحبة. فلا يكفي الذل والخضوع عن المحبة، ولا المحبة عن الذل والخضوع. وضابط هذا : من أراد أن يخلص هذه الكلمة لله فلينظر إلى كل شيء أمر الله أن يتقرب إليه به، وأن يتعبد به خلقه، وليخلص في هذا لله، فإنه يلقى الله مسلما موحدا، وليحذر كل الحذر من أن يصرف شيئا من حقوق الخالق للمخلوق، لأن من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، والأحاديث في ذلك في حكم المتواترة لكثرتها.
من أشهرها : حديث أبي ذر الثابت في الصحيحين :" من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة "، قال : وإن زنى وإن سرق ؟ قال :" وإن زنى وإن سرق ". حتى قال في الثالثة :" وإن رغم أنف أبي ذر ".
وكان أبو ذر إذا حدث بالحديث يقول :" وإن رغم أنف أبي ذر "
والعبد إذا لقي ربه بقراب الأرض ذنوبا ولم يشرك به شيئا لقيه بقرابها مغفرة. وهو يقول في محكم كتابه : إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : آية٤٨ )، وفي بعض الروايات عن سبب إسلام الوحشي- وإن زعم قوم أنها غير ثابتة، إلا أنها ذكرها بعض العلماء-أن الوحشي، عبد جبير بن مطعم، لما قال له : إن قتلت عم محمد صلى الله عليه وسلم- يعني حمزة- بعمي طعيمة بن عدي الذي قتله يوم بدر فأنت حر. وحضر الوحشي، وأصله عبد حبشي، مملوك لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، حضر أحدا لا يريد إلا حمزة، لأجل أن يعتقه سيده، فأخذ حربة حبشية ذات حدين، وكمن في صخرة من صخرات سفح جبل أحد، حتى رأى حمزة، فرماه فأصابه في ثنته تحت السرة، فخر صريعا( رضي الله عنه وأرضاه ). بعد أن قتل حمزة لم يف له سيده بوعده بالعتق، فغاضب سيده، وهم أن يأتي النبي ويسلم. زعموا في هذه القصة أنه كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يامحمد- صلوات الله وسلامه عليه- إني أردت الدخول في دينك فمنعتني آية مما أنزل عليك، قنطتني من رحمة الله، وهي قول ربك : والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا٦٩ ( الفرقان : الآيتان ٦٨-٦٩ ) قال : ربك صادق لا يكذب، وقد قال : إن من فعل هذه الثلاث إنه يلقى العذاب ويخلد فيها مهانا، فإذا لا فائدة لي في الإسلام، ولا طمع لي في الخير بعد أن فعلت الثلاثة – يعني نفسه البعيد- قالوا : فأنزل الله : إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات ( الفرقان : آية٧٠ ) زعموا أن النبي بعث بها إليه، وأنه لما نظرها رد إليه الجواب وقال : ربك يقول : وعمل عملا صالحا فهذه على شرط قوي، ومن يقدر على العمل الصالح ؟ فقد لا أقوم بهذا الشرط. فأنزل الله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : آية٤٨ ) فأرسل إليه الضامن والكفيل لي أنه يشاء ؟ فأرسل بها إليه، فأنزل الله : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم٥٣ ( الزمر : آية٥٣ ) قالوا : فتأ
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير