المحرّمات العشر أو الوصايا العشر
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥١ الى ١٥٣]
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)
الإعراب:
أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ما اسم موصول بمعنى الذي، مفعول أَتْلُ، وحَرَّمَ رَبُّكُمْ: صلته، والعائد محذوف، وتقديره: حرّمه ربكم، فحذف الهاء العائدة للتخفيف. ويكون أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً بدلا منصوبا من الهاء أو من ما.
وأَلَّا زائدة، وتقديره: حرّم أن تشركوا. ويجوز أن تكون أَلَّا تُشْرِكُوا خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو ألا تشركوا. ويجوز أن تكون «أن» بمعنى أي، و «لا» نهي، وتقديره:
أي لا تشركوا. ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع نصب بحرّم، وتقديره: أي شيء حرم ربكم؟ ويجوز الوقوف على قوله: رَبُّكُمْ. ثم تبتدئ وتقرأ: عليكم ألا تشركوا، أي عليكم ترك الإشراك، فيكون أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع نصب على الإغراء بعليكم.
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً أَنَّ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ول. ن هذا صراطي. ويجوز قراءة أن مخفة من الثقلية. ويحوز قراءة إن بالكسر، على الابتداء، ومُسْتَقِيماً حال مؤكدة من صِراطِي لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما.
البلاغة:
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فيه استعارة السبل للبدع والضلالات.
لا نُكَلِّفُ نَفْساً
التنكير لإفادة العموم.
وَبِعَهْدِ اللَّهِ
الإضافة للتشريف والتعظيم.
ظَهَرَ وبَطَنَ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
تَعالَوْا أقبلوا. أَتْلُ أقرأ وأقص. «أن» مفسرة. إِمْلاقٍ أي فقر.
الْفَواحِشَ الكبائر، أي ما عظم جرمه وذنبه كالزنى. ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي علانيتها وسرها. إِلَّا بِالْحَقِّ كالقود (القصاص) وحدّ الردة، ورجم المحصن. تَعْقِلُونَ تتدبرون.
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي ما فيه صلاحه. حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
بأن يحتلم أو يكبر، وأَشُدَّهُ
: كمال رجولته ومعرفته. بِالْقِسْطِ
بالعدل وترك البخس. إِلَّا وُسْعَها
طاقتها في ذلك، فإن أخطأ في الكيل والوزن، والله يعلم نيته، فلا مؤاخذة عليه، كما ورد في الحديث. وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
أي إذا قلتم في حكم أو غيره فاعدلوا في القول. وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة. تَذَكَّرُونَ
تتعظون. السُّبُلَ الطرق المخالفة له. فَتَفَرَّقَ تميل. عَنْ سَبِيلِهِ دينه.
المناسبة:
بعد أنّ بيّن الله تعالى المحرّمات من المطعومات، ردّا على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، أردفه ببيان أصول المحرمات المعنوية (الأدبية) والمادية قولا وفعلا.
قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي عليها خاتمة، فليقرأ هؤلاء الآيات: قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ إلى قوله:
تَتَّقُونَ. وقال ابن عباس: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ:
قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ... الآيات.
وروى الحاكم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيكم يبايعني على ثلاث؟» ثم تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حتى فرغ من
الآيات، ثم قال: «فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أخّر إلى الآخرة، فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه»
ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
التفسير والبيان:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وحرموا وحللوا لأنفسهم بأهوائهم ووسوسة الشياطين لهم: هلموا وأقبلوا أقرأ وأقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم حقا وفعلا، ووحيا وأمرا من عنده، لا تخرصا وظنا، فلله وحده حق التشريع والتحريم، وأنا رسوله المبلغ عنه ما أنزل، وهي الوصايا العشر: خمسة بصيغة النهي، وخمسة بصيغة الأمر.
وخص التحريم بالذكر، مع أن الوصايا أعم لأن بيان المحرمات يستلزم حلّ ما عداها. وقد بدأها بالشرك بالله لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إثما.
وتلك الوصايا هي ما يأتي:
١- نبذ الشرك بالله:
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً: في الكلام محذوف وتقديره: وأوصاكم «١» ألا تشركوا به شيئا من الأشياء، وإن عظم خلقا كالشمس والقمر والكواكب، أو قدرا ومكانة كالملائكة والنبيين والصالحين، فكل ذلك مخلوق لله وعبيد له:
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم ١٩/ ٩٣].
فيجب عليكم أن تخصوه وحده بالعبادة والتعظيم، وتتركوا ما شرعتم من العبادة بالأهواء.
٢- الإحسان إلى الوالدين:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أحسنوا إلى الوالدين إحسانا كاملا صادرا من القلب.
وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين حظر الشرك وطاعته وبرّ الوالدين، لأن الله تعالى مصدر الخلق والرزق، والأبوان واسطة، يقومان بعبء التربية ودفع الأذى والضرر عن الولد، قال تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء ١٧/ ٢٣] وقال عز وجل: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [لقمان ٣١/ ١٤- ١٥] لذا كان عقوق الوالدين من الكبائر، وبرّهما والإحسان إليهما من أفضل الأعمال،
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أيّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله».
وروى الحافظ ابن مردويه عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل» «١».
والإحسان إلى الوالدين: معاملتهما معاملة كريمة نابعة من العطف والمحبة، لا من الخوف والرهبة. وكما يفعل الولد مع والديه يفعل أولاده معه ولو بعد حين،
روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم».
٣- تحريم وأد البنات:
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ: لما أوصى تعالى ببرّ الوالدين والأجداد،
عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فذكر: ومما أوصاكم به ربكم ألا تقتلوا أولادكم خشية فقر يحل بكم، فإن الله يرزقكم وإياهم، أي يرزقهم تبعا لكم، فلا تخافوا الفقر الحاضر، ولا تخشوا الفقر المتوقع، فإن الله تعالى تكفل برزق العباد، ونظير الآية قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الإسراء ١٧/ ٣١]. والفرق بين التعبيرين: أن تعبير سورة الأنعام يراد به: لا تقتلوهم من فقركم الحاصل، فبدأ برزق الآباء لأنه الأهم بسبب وجود الفقر الحاصل، وأما تعبير سورة الإسراء فيراد: لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل المستقبل، فبدأ برزق الأولاد للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فهو على الله. وفي هذا إيماء إلى ضرورة الحفاظ على النوع الإنساني، بتحريم إيذاء الأصول (الآباء) والفروع (الأنباء) ورعاية كل منهما، ثم تحريم قتل النفس الإنسانية مطلقا المنصوص عليه في الوصية الخامسة.
٤- تحريم اقتراف الفواحش:
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ: أي إياكم من الاقتراب من الفواحش وهي كل ما عظم جرمه وإثمه وقبحه من الأقوال والأفعال، كالزنى وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، سواء في الظاهر المعلن أو الباطن السري، وكان العرب في الجاهلية لا يرون بأسا في الزنى سرا، ويعدون الزنى علانية قبيحا، فحرم الله النوعين، وذلك مثل قوله تعالى: قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف ٧/ ٣٣].
وورد في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»
وقال سعد بن عبادة فيما رواه الشيخان: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح «١»، فبلغ ذلك
في الحديث: «قلب المؤمن مصفح على الحق»
أي ممال عليه.
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فو الله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».
وقيل: الظاهر: ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن: ما تعلق بأعمال القلوب كالكبر والحسد. روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن عكرمة:
قال: ما ظهر منها: ظلم الناس، وما بطن منها: الزنى والسرقة، أي لأن الناس يأتونهما في الخفاء.
٥- منع قتل النفس بغير الحق:
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ خصص النهي عن القتل تأكيدا واهتماما به، بالرغم من أنه داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، أي حرم الله عليكم قتل النفس التي حرم الاعتداء عليها بالإسلام، أو بالعهد بين المسلمين وغيرهم كأهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بعهد وأمان.
روى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله».
وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا».
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم مرفوعا: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما».
وأما القتل بحق فله ثلاث حالات ورد بيانها
في حديث الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا
بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وفي لفظ: «كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق».
وما ذلك التحريم للقتل إلا لأنه جريمة كبري في حق الإنسانية، واعتداء على صنع الخالق، الذي أوجد وأتقن كل شيء خلقه.
ذلكم المحرم مما ذكر وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه، أي ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. والوصية:
أن يعهد إلى إنسان بعمل خير أو ترك شر.
وتذييل الآية بهذه الخاتمة يدلّ على أن ما هم عليه من الشرك وتحريم بعض الأنعام مما لا تعقل له فائدة.
٦- المحافظة علي مال اليتيم:
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي لا تأخذوا شيئا من مال الأيتام الذين تتولون الإشراف عليهم، إلا بما فيه مصلحة ونفع لهم، في حفظ المال وتنميته، وحمايته من المخاطر، والإنفاق منه بحسب الحاجة، وذلك كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً، إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء ٤/ ١٠].
والنهي عن القرب عن الشيء أبلغ من النهي عن الشيء نفسه: لأن الأول يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي مظنّة التأويل، كأن يأكل شيئا من ماله أثناء أداء عمل له فيه ربح. وقد نهى الله تعالى عن الأكل من مال اليتيم إلا لضرورة أو حاجة، فقال: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء ٤/ ٦].
وتسلّم الأموال إلى اليتامى حين بلوغهم سن الرشد، لذا قال تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
أي لا تقربوا مال اليتيم حتى يبلغ مبلغ الرجال في الحنكة والقوة واكتمال الملكات والمدارك العقلية، وذلك كما قال الشعبي ومالك وجماعة من السلف: حتى يحتلم، والاحتلام يكون عادة بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة:
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء ٤/ ٦]. والمراد من الآية:
حفظ مال اليتيم وعدم تبذيره أو إضاعته حتى البلوغ.
٧ و٨- إيفاء الكيل والميزان بالقسط:
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
أي أتموا الكيل إذا كلتم للناس، ولا تزيدوا فيه إذا اكتلتم لأنفسكم، وأتموا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تشترون أو لغيركم فيما تبيعون، فلا يكون فيه زيادة ولا نقص، وإنما تمام بالعدل، من غير تطفيف، كما قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ «١» الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين ٨٣/ ١- ٣] أي أن إيفاء الحق يكون في الحالتين: البيع والشراء. وقوله: بِالْقِسْطِ
يوجب تحري العدل حال البيع والشراء بقدر المستطاع، لذا قال:
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فعله، بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج أي بقدر الطاقة والجهد، فإذا أخطأ الشخص بدون قصد فلا مؤاخذة،
روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الآية: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
: «من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما، لم يؤاخذ، وذلك تأويل: وسعها»
وهو حديث مرسل غريب.
وعاقبة تطفيف الكيل والميزان وخيمة جدا ومنذرة بعقاب أليم، كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب عليه السلام: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ الآيات [هود ١١/ ٨٥].
٩- العدل في القول أو الحكم:
وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
أي فاعدلوا في القول في الشهادة أو الحكم، ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة منكم إذ بالعدل تصلح شؤون الأمم والأفراد، وهو أساس الملك، وركن العمران، وقاعدة الحكم، كما قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء ٤/ ١٣٥] وهذا عدل بالقول، كالعدل المطلوب سابقا في الفعل كالكيل والوزن.
١٠- الوفاء بالعهد:
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
أي وأوفوا بعهد الله، وذلك بإنجازه وتنفيذه، وإطاعة الله فيما أمر ونهى، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله. وهو يشمل:
ما عهده الله إلى الناس على ألسنة الرسل، وما آتاهم الله من العقل والفطرة السليمة كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس ٣٦/ ٦٠]، وما عاهده الناس عليه، كما قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل ١٦/ ٩١]، وما تعاهد عليه الناس مع بعضهم بعضا، كما قال تعالى في صفة المؤمنين: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا [البقرة ٢/ ١٧٧].
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
أي وصاكم الله بهذا رجاء أن تتعظوا وتنتهوا عما كنتم فيه قبل هذا، وليذكر بعضكم بعضا في التعليم والتواصي الذي أمر الله به: وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر ١٠٣/ ٣].
ثم ختم الله تعالى هذه الوصايا ببيان أن هذا هو منهج الحق وطريق الاستقامة، فقال: وَأَنَّ هذا صِراطِي... أي ولأن هذا هو الطريق المستقيم، فاتبعوه ولا تتبعوا الطرق المختلفة ذات المذاهب والأهواء والبدع والضلالات، فيؤدي بكم إلى التفرق والاختلاف، والانحراف عن دين الله الحق، ومنهجه الأمثل. قال ابن عباس في قوله: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله.
وأوضح النّبي صلّى الله عليه وسلّم الصراط المستقيم،
روى الإمام أحمد، والنسائي وأبو الشيخ ابن حيان والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطأ بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما» وخط عن يمينه وشماله، ثم قال:
«هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن النّواس بن سمعان عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ضرب الله مثلا: صراطا مستقيما، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول:
يا أيها الناس، هلّم ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد إنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم».
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات أمر من الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلّم بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله، ويجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا الناس ويبينوا لهم ما حرّم الله عليهم مما أحلّ، قال الله تعالى: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران ٣/ ١٨٧].
وقد تضمنت الوصايا العشر: خمسة منها بصيغة النهي، وخمسة بصيغة الأمر، ولما وردت الأوامر مع النواهي، وتقدّمهن جميعا فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها: وهي الإقرار بوجود الله وتوحيده، والإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله... إلخ.
قال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم.
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ... الآية.
وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة (الأنعام) أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملّة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى.
أما الشرك بالله: فهو وكر الخرافات والأباطيل، ومبعث الأهواء والشهوات، وهو مصادم لمقتضيات العقل السليم والفكر الصحيح.
وأما الإحسان إلى الوالدين: فواجب تقتضيه الفطرة لأنهما كانا سبب وجود الإنسان، وقد ربياه وأحسنا إليه صغيرا وكبيرا، ومحبتهما جزاء ومكافأة لهما، وعقوقهما مفسد تكوين الأولاد، ومساعد على الغلظة والشذوذ في كل مسالك الحياة.
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه، وفي الظاهر هو الأبوان، ونعم الوالدين على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر.
وقتل الأولاد: مسبّة وعار، وقسوة وغلظة، وانحدار في مستوى الإنسانية، ولون من ألوان الهمجية، ومصادمة لإرادة الله تعالى.
وقد استدل الظاهرية بآية: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ على منع العزل لأن وأد الأولاد يرفع الموجود والنّسل والعزل بإلقاء الماء خارج المحل منع أصل النسل، فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا.
لكن جمهور العلماء أباحوه،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر» «١»
أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا.
واشترط مالك والشافعي كون العزل عن الحرة بإذنها، فلا يجوز بغير إذنها، لأن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد.
وتحريم الفواحش ذاتها وتحريم وسائلها وأسبابها: ضرورة صحية وإنسانية واجتماعية، فما من فاحشة أو حرام أو منكر إلا وهو ضار ضررا محضا بصحة الإنسان، ومهدد لوجوده، ومفسد للمجتمع في جميع أحواله ونظامه وتطلعاته. والنهي عن اقتراف الفواحش في الآية نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي.
وقتل النفس مؤمنة كانت أو معاهدة بغير مسوغ شرعي أو إلا بالحق الذي يوجب قتلها: جريمة كبري، واعتداء شنيع على صنع الخالق. والعاصم من القتل: الإسلام، والسلام أو الأمان، والعهد. والمسوغ الشرعي أو القتل بالحق
مثل منع الزكاة وترك الصلاة، والدفاع عن النفس، والمحاربة (قطع الطريق)، والقصاص، والردة، وزنى المحصن. وأجاز بعضهم القتل بسبب اللواط عملا
بما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به».
وأكل مال اليتامى: ظلم واعتداء على حقوق الضعفاء، واستغلال لحاجتهم وصغرهم. لكن يجوز الأخذ من مال اليتيم بالتي هي أحسن، أي بما فيه صلاحه وتنميته، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، بالاتجار فيه ونحوه من وسائل التنمية.
ويدفع المال إلى اليتيم ببلوغ سن الرشد وهو توافر الخبرة المالية، وذهب أبو حنيفة إلى أن أقصى مدة لمنع المال عن اليتيم هي خمس وعشرون سنة. وقد فسّر بلوغ الأشد أي القوة وهي قوة البدن والمعرفة باية أخرى في سورة النساء وهي: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [٦] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد.
وإيفاء الكيل والميزان بالقسط أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء: فيه حفاظ على الحقوق المالية.
والقول بالعدل في الأحكام والشهادات ولو على النفس والأقارب: فيه إنصاف للحق، وإظهار له، ومن المعلوم أن الإسلام هو دين الحق والعدل.
والوفاء بعهد الله، أي بجميع ما عهده الله إلى عباده، ويشمل جميع ما انعقد بين إنسانين: أمر يوجبه شكر المنعم الخالق، وتقتضيه المدنية، وتقره الأعراف السليمة لأنه فيما يمس الوعود والعقود بين الناس يوفر الخير والعطاء للجماعة
كلها، ويحقق معنى النظام واحترام الوقت. وأضيف العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به.
والسبب في جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وخاتمة الآية الثانية بقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
: هو كما أوضح الرازي أن المحرّمات الخمسة المذكورة في الآية الأولى (وهي الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وقربان الزنى، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) أمور ظاهرة جلية القبح، فنهاهم الله عنها، لعلهم يعقلون قبحها، فيتركوها. وأما التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الثانية (وهي حفظ مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول في الأحكام والشهادات، والوفاء بالعهد) فهي أمور خفية غامضة، وكانوا يفعلونها ويفتخرون بالاتصاف بها، فأمر الله تعالى بها لعلهم يذكرون إن نسوها، وليجتهدوا ويفكروا فيها ليقفوا على موضع الاعتدال.
وقال أبو حيان: كرر الوصية على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد أمر الله سبحانه باتباعه، ونهى عن اتباع غيره من الطرق، ختم الآية الثالثة بالتقوى التي هي اتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية «١».
قال ابن عطية: ومن حيث كانت المحرّمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله، جاءت العبارة: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ والمحرّمات الأخر شهوات، وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، فجاءت العبارة: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. وركوب الجادة تتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى، فجاءت العبارة: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وأما آية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فأرشدت إلى أن كل ما بيّنه
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي