ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

قال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وقال الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن خليفة قال : سمعت ابن عباس يقول : في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآيات، وعن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله ﷺ :« » أيكم يبايعني على ثلاث « ثم تلا رسول الله ﷺ : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حتى فرغ من الآيات.. » فمن أوفى فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه « يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم قُلْ لهم تَعَالَوْاْ أي هلموا وأقبلوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه وأمراً من عنده أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق وتقديره : وأوصاكم أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ولهذا قال في آخر الآية : ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :»
أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً من أمتك دخل الجنة، قلت : وإن زنى وإن سرق؟ قال : وإن زنى وإن سرق، قلت : وإن زنى وإن سرق؟ قال : وإن زنى وإن سرق، قلت : وإن زنى وإن سرق؟ قال : وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر « ؛ وفي بعض الروايات أنه ﷺ قال في الثالثة :» وإن رغم أنف أبي ذر «، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث :» وإن رغم أنف أبي ذر «، وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال، قال رسول الله ﷺ يقول تعالى :» يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك «

صفحة رقم 810

، ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ [ النساء : ٤٨، ١١٦ ]، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود :« من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ». والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وعن عبادة بن الصامت قال : أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال :« ألا تشركوا بالله شيئاً وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم »، وقوله تعالى : وبالوالدين إِحْسَاناً أي أوصاكم وأمركم بالوالدين إحساناً أي أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى : وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً [ الإسراء : ٢٣ ]، والله تعالى كثيراً ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال : أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير [ لقمان : ١٤ ]، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً [ البقرة : ٨٣ ] والآيات في هذا كثيرة.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال :« الصلاة على وقتها » قلت : ثم أيّ؟ قال :« بر الوالدين » قلت : ثم أيّ؟ قال :« الجهاد في سبيل الله »، قال ابن مسعود : حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. وقوله تعالى : وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى : وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ، وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ :« أي الذنب أعظم؟ قال :» أن تجعل لله نداً وهو خلقك « قلت : ثم أي؟ قال :» أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك «، قلت : ثم أي؟ قال :» أن تزاني حليلة جارك « ثم تلا رسول الله ﷺ : والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ [ الفرقان : ٦٨ ] » الآية. وقوله تعالى : مِّنْ إمْلاَقٍ ، قال ابن عباس : هو الفقر أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء : وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ أي لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم [ الإسراء : ٣١ ] فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله وأما هنا فلما كان الفقر حاصلاً قال : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لأنه الأهم هاهنا والله أعلم.

صفحة رقم 811

وقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، كقوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق [ الأعراف : ٣٣ ]. قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ [ الأنعام : ١٢٠ ] وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ « لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ».
وفي الصحيحين « قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال :» أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن «، وقوله تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ، وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيداً وإلاّ فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :» لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة «، وفي لفظ لمسلم :» والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم « وذكره، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال :» لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض « وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله ﷺ يقول :» لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل بغير نفس « فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفساً، فبم تقتلوني؟ وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ مرفوعاً :» من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً « وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :» من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً « وقوله : ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله وأمره ونهيه.

صفحة رقم 812

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية