ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

ويقول الحق بعد ذلك : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( ١٥١ ) .
ننظر في هذه الآية فلا نجد شيئا من المحرمات من الأطعمة التي بها قوام الحياة، ولكن نجد فيها المحرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية التي هي مقومات الحياة الروحية، إنها مقومات الحياة من القيم قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .
والأداء القرآني هنا يأخذ لفظ " تعال " بفهم أعمق من مجرد الإقبال، فكأن الحق يقول : أقبل علي إقبال من يريد التعالي في تلقي الأوامر. فأنت تقبل على أوامر الله لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية ؛ فلا تأخذ قوانينك من حضيض تشريع البشر ؛ لأن الشرط الواجب في المشرع ألا يكون مساويا لمن شرّع له، وألا يكون منتفعا ببعض ما شرّع، وأن يكون مستوعبا فلا تغيب عنه قضية ولا يغفل عن شيء والمشرع من الخلق لا يشرع إلا بعد اكتمال عقله ونضجه. ولا يقدر أن يمنع نفسه من الانتفاع بالتشريع.
الرأسمالي مثلا يشرع ليستفيد، والماركسي يشرع ليستفيد. وكل واحد يشرع وفي نفسه هوى، ومن بعد ذلك تعدل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور الحياة، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا، فنظر في قانونه فلم يجد شيئا يغطي هذه القضايا، فيقول : نعدل القانون، ونستدرك. ومعنى استدراك القانون أي أن هناك ما جهله ساعة قنن.
إذن يشترط في المقنن ألا يكون مساويا للمُقنن له، وألا تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يُسْتدرك عليه، وألا يكون منتفعا بالتشريع، ولا يوجد ذلك في بشر أبدا، فأوضح الحق : اتركوا حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها ؛ فحين ينادي الله " تعالوا " فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيناتكم التي تحكم حركة حياتكم، فهو لا ينتفع بما شرع، بل أنتم الذين تنتفعون، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه، وهو خالق، هو أولى أن يشرع لكم. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام ).
" أتل " من التلاوة وهي القراءة مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أي ما جعله حراما.. أي يمتنع عليهم فعله، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغا بعد بلاغ. أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام ).
لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد علينا ألا نشرك به ؛ فأنت ساعة تأتي لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له : استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه. ثم تبدأ في التفصيل، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئا. أي أتلوا عليكم تحريم الشرك، فأول المحرمات الشرك، وعلينا أن نوحد الله، فكل نهي عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء نهى عن مقابله. وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيا، وكل نهي يستلزم أمرا. فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي. أو تكون ( عليكم ) منقطعة عما قبلها، أي عليكم ترك الشرك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم، وألا تقربوا الفواحش.. أي ألزموا ذلك.
ثم يقول سبحانه : وبالوالدين إحسانا وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين ؛ فهو أمر بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين ؛ أي لا تعقوهم. فعدم الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله. ثم يقول سبحانه : وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ( ١٥١ ) [ سورة الأنعام ]. أي استبقوا حياة أولادكم، فإن أردتها من قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الأولاد، وإن أردتها من قبيل الإيجاب فقل : استبقوا الحياة. وقول : من إملاق أي من فقر، فكأنهم كانوا فقراء، وما دام الإملاق موجودا فشغل الإنسان برزق نفسه يسبق الانشغال برزق من يأتي بعده ؛ فيا أهل الإملاق تذكروا أن الله يرزقكم ويرزق من سيأتي زيادة وهم الأولاد. ويقول سبحانه : وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ( ١٥١ ) [ سورة الأنعام ].
وهذا نهي عن القرب، أي نهي عن الملابسات التي قد تؤدي إلى الفعل لا نهي عن الفعل فقط ؛ فحينما أراد الله يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال : ولا تقربا هذه الشجرة.. ١٩ [ سورة الأعراف ].
لأن القرب قد يغري بالأكل، وكذلك : ولا تقربوا الفواحش أي لا تأتي إلى مقدمات الفواحش بأن تلقي نظرة أو تحدق النظر إلى محرمات غيرك، وكذلك المرأة التي تتبرج ؛ إنها تقوم بالإقبال على مقدمات الفواحش، فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله تعالى في أرضه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". ١
ويمنعك الحق : ألا تقرب، أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الأشياء، مثلها مثل " اجتنب " تماما، وسبحانه وتعالى يقول : واجتنبوا الرجس من الأوثان.. ٣٠ [ سورة الحج ].
ويقول : .. واجتنبوا قول الزور ٣٠ [ سورة الحج ]، وهنا يقول تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
وكل ما ظهر من الفواحش هو من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و ما بطن هو من أفعال السرائر مثل الحقد والغل، والحسد.
ويتابع سبحانه : وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ( ١٥١ ) } [ سورة الأنعام ]، وكلمة " النفس : يختلف الناس في معناها، ولا تطلق النفس إلا على التقاء الروح بالمادة، والروح في ذاتها خيّرة، والمادة في ذاتها خيّرة مسبحة عابدة. وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ٤٤ [ سورة الإسراء. ].
وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة، فمعنى قتل النفس أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية وهذا غير الموت ؛ لأن الله هو الذي يميت النفس، أما الإنسان به في الآية فستجد التعقل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها. والذي وهب الحياة هو الله، فلا يسلب الحياة إلا هو. وبعد ذلك يشرع الله لنا أن نسلب الحياة قصاصا، أو للزنا من الثيب المحصن رجلا أو امرأة، أو للردّة، فهو قتل بحق، لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم بنيان الله بغير الحق، والإنسان بنيان الله فلا تعتدي عليه. ولذلك أمرنا الله بالقصاص من إنسان قتل إنسانا ؛ حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه، وحين يحفظ الإنسان كل نفس، فإنه ينجو بنفسه ويسلم.
هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثيّب، والثيب الزاني يطلق على الذكر والأنثى وهو من تزوج ودخل على زوجه وذاق كل منهما عسيلة الآخر وأفضى إليه، وكذلك المرتد، فنحن نحرص على حرية الاعتقاد ؛ بدليل أننا لا نقتل الكافر الأصلي لكفره، ولكن يجب على الإنسان أن يفهم أن الدخول إلى الإيمان بالإسلام يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة، وأن يعلم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فلن يدخله إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع. ونحن نحمى بالاختيار، فنعلن لكل من يقبل على الإسلام ونحذره : إياك أن تدخل بظاهر القول دون فهم لمعنى الإسلام لأنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل، ومادام الشيء ثمنه الحياة، فالواجب أن يحتاط الإنسان الاحتياط الشديد. وفي ذلك أيضا ثقة من أن الإنسان إذا ما بحث عن الأدلة فسيقتنع بأن له إلها حقا، ولكننا لا نقتل الكافر الأصلي.
إذن فقل المرتد حماية لحزم الاختيار، فإياك أن تدخل بدون رؤية ؛ لأنك لو دخلت ثم ارتددت فسوف تقتل، وبذلك يصفي الحق المسألة تصفية لازمة بأن يعرض من يقبل الإسلام جميع الحجج على نفسه، ولا يدخل إلا بنية على هذا، ففي أي عقد يحاول الإنسان أن يعرف التزاماته وأن تتضح أمامه هذه الالتزامات. ولا يدخل إلى الدين الدخول الأهوج، أو الدخول الأرعن، أو الدخول المتعجل. بل يلزمه أن يدخل بتؤدة ورؤية.
وفي الزواج يدخل الإنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي : " أنت طالق "، ولذلك تحتاط المرأة، فما دامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة فعليها أن تحرص ألا تضع هذا الحق إلا في يد أمينة عليه. وساعة أن يقول لها أبوها : اسمعي، إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك، وإن كرهك لا يظلمك ؛ لأنه بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية. إذن فعلى المرأة أن تفكر في الإنسان الأمين على هذه الكلمة.
ومع ذلك فهناك احتياط للغفلة ؛ فالرجل يتزوج بكلمة واحدة، من مرة واحدة لكن في الطلاق هناك ثلاث مراحل ؛ كرصيد للغفلة. فالرجل يتزوج المرأة بكلمة " زوّجتك نفسي أو يزوجها وليها ويكون القبول من الزوج وبهذا يتم الزواج ". لكن في الطلاق أباح الله لغفلة الرجل ولرعونته أن يطلق مرة، ثم يراجع هو من غير دخول أحد بينهما، ثم يطلق ثانية، ويراجعها، ولكن بعد الطلاق الثالث يجد التنبيه من الحق : لقد احتطنا لك برصيد من غفلتك. ولكن عندما تريدها زوجا لك فلا يتم ذلك إلا أن تتزوج غيرك، وبعدها قد تعود لك أو تبقى مع من تزوجها. فاحتط جيدا للأمر الذي تدخل عليه، وللتعاقد الذي التزمت به. فإذا كان هذا هو الشأن في تعاقد الزواج، فما بالنا بالرّدة ؟ إننا نقتل المرتد، ولا نفعل به ذلك قبل أن يؤمن وقبل أن يعلن إيمانه وقبل الدخول في حيز المؤمنين، وليعلم أنه إن رجع عن الإسلام فسيقتل. وهكذا يصعّب الإسلام الدخول إليه، ويحمي الاختيار في الوقت نفسه. ويتابع سبحانه : ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام ).
و " الوصية " لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم كالحياة إلا بالقيام بها، إنها في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها. ولذلك حين تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لقد ظل ثلاثة وعشرين عاما يستقبل من السماء ويناول أهل الأرض، ثم جاء في حجة الوداع وركّز كل مبادئ الدين في قوله تعالى : ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون .
و " وصاكم " غير شرّع ؛ فشرّع تأتي بكل التشريعات وما فيها من تفاصيل صغيرة، والوصية تضم أمهات المسائل في التشريع. والعقل يجب أن يسع المسألة من أولها إلى آخرها ؛ فلو استعملت عقلك في كل منهي عنه، أو في كل مأمور به في الآية فستجد التعقل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء التي ذكرها في هذه الآية ب ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . وهذه الأوامر متفق عليها في جميع الرسالات وفي جميع الأديان، ويسمونها : " الوصايا العشر ". و

١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير