هل ينظرون استفهام للإنكار أي ما ينتظرون أهل مكة لإيمانهم بالقرآن إلا أن تأتيهم قراءة حمزة والكسائي بالياء التحتانية هاهنا وفي النحل على التذكير والباقون بالفوقانية لكون الفاعل مؤنث غير حقيقي الملائكة يعني ملائكة الموت أو ملائكة العذاب أو ملائكة يشهدون عيانا بصدق الرسول وحقية القرآن، والحاصل أنهم لما لم يؤمنوا بعد مجئ ما كانوا يتمنون مجيئه وبعد وضوح أمره وسطوع برهانه فلعلهم ينتظرون إتيان الملائكة حتى يؤمنوا حينئذ مع أن الإيمان في تلك الحالة غير مفيد، وقال : البيضاوي : معناه ما ينتظرون إلا إتيان الملائكة شبهوا بالمنتظرين لما كان يلحقهم لحوق المنتظر، وجاز أن يكون المراد بإتيان الملائكة نزولهم يوم القيامة في المواقف كما يدل عليه قوله تعالى أو يأتي ربك بل كيف لفصل القضاء بين خلقه في موقف
القيامة وقد مر نظير هذه الآية في سورة البقرة هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام الملائكة وقضى الأمر (١) وقد مر تفسيره وما فيه خلاف السلف و الخلف يعني أشراط الساعة قال : البغوي : يعني طلوع الشمس من مغاربها وعليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا.
فصل في أشراط الساعة : عن حذيفة ابن أسيد الغفاري قال : أطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر في الساعة فقال :( إنها لن تقوم حتى ترو قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغاربها، ونزول عيسى بن مريم، وياجوج ومأجوج، وثلث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك النار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ) وفي رواية ( نار يخرج من قعر عدن يسوق الناس إلى المحشر ) وفي رواية ( العاشر الريح تلقي الناس في البحر )(٢) رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمر وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وإياهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا ) (٣) رواه مسلم، وعن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال :( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرء حجيج نفسه والله خليفة على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فأثبتوا، قلنا : يا رسول الله وما لبثه في الأرض ؟ ) قال : أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وساير كأيامكيامكم م، قلنا : فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : لا أقدروا له قدره، قلنا : يا رسول الله وما إسراعه في الأرض ؟ قال : كالغيث استدبرته الريح فيتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء فتمطر الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراعا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليهم قوله فينصرف منهم فيصبحون محلين ليس فبأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول بها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعوا رجلا ممتلئا شبابا فيضر به بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند منارة البيضاء شرق دمشق بين مهروذيتن واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثال جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث لا ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجههم ويحدثهم بدرجات في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي يدان لأحد لقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها فيمر آخرهم فيقولنا لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثورة لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب النبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة ثم يهبط النبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب النبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فيحملهم فيطرحهم حيث شاء الله ) وفي رواية ( فيطرحهم في النهبل ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبار فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقول للأرض أنبتي ثمرتك وديري بركتك فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي القيام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فيقبض روح كل مِؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون يختلطون منها تهارج الحمر فعليهم يقوم الساعة )(٤) رواه مسلم إلا الرواية الثانية وهي قوله ( يطرحهم بالنهبل ) إلى قوله ( سبع سنين ) رواه الترمذي، وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الدجال يخرج وإن معه ماء ونار فأما الذي يراه الناس ماء فنار خرق وأما الذي يراه الناس نار فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نار فإنه ماء عذب طيب ) متفق عليه، وزاد مسلم ( وإن الدجل ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب )، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ( أنه يجيء ومعه مثل الجنة والنار فالتي يقول أنها الجنة هي النار )وكذا عند مسلم من حديث حذيفة، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم ( إذا رآه يعني الدجال المؤمن، قال : يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر الدجال فيؤشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول قم فيستوي قائما ثم يقول أتؤمن بي فيقول ما إزددت منك إلا بصيرة ) الحديث، وفي الحديث أسماء بنت يزيد رواه أحمد ( إن من أشد فتنة الدجال أنه يأتي الأعرابي فيقول أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك ؟ فيقول : بلى فيتمثل له الشياطين نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعا وأعظمه أسنمة، يأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه أرأيت إن أحييت لك أباك وأخاك ألست تعلم أني ربك ؟ فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه ) الحديث :
فصل : ويكون قبل تلك الآيات ظهور المهدي. عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسل ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ليطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيت يواطيء أسمه اسمي واسم أبيه واسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا )(٥) وروى الترمذي بلفظ ( لا يذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيت أسمه اسمي ) وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أجل أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشم وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم ذلك بعث كلب ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويلقى الإسلام بجرانه في الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى عليه المسلمون ) رواه أبو داود، وروى أبو داود عن علي أنه نظر إلى ابنه الحسن وقال : إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض
عدلا، وعن أبي سعيد في قصة المهدي قال :( فيجيء الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطيني قال : فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله )(٦) رواه الترمذي، وعند الحاكم في المستدرك ( يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا يدعوا السماء من قطرها شيئا إلا صبته مدرارا ولا يدع الأرض من نباتها شيء إلا أخرجته حتى يتمنى الإحياء الأموات يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع ) يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانه حينئذ كالمحتضر إذا صار الأمر عينا والإيمان واجب بالغيب لم تكن أمنت من قبل الجملة صفة لنفس أو كسبت في إيمانها خيرا عطف على أمنت احتج بهذه الآيات ما لم يعتبر الإيمان المجرد عن العمل لأن معنى الآية أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم يؤمن قبل ذلك اليوم ولا نفسا لم تكسب قبل ذلك اليوم خيرا في إيمانها، قلنا : هذه الآيات لا تدل على عدم نفع إيمان من لم يكسب فيه خيرا مطلقا بل على عدم نفع إيمانه في ذلك اليوم خاصة، وأيضا أحد الأمرين على تنكير إذا جاءت في حيز النفي يعم الأمرين كما في قوله تعالى : ولا تطع منه أثما أو كفورا (٧) يعني لا تطع أثما ولا كفورا فمعنى الآيات لا ينفع الإيمان نفسا لم تؤمن ولم تكسب فيه خيرا، وقال : البغوي : معنى الآية لا يقبل حينئذ إيمان كافر ولا توبة، فاسق فالمراد بالإيمان في إيمانها توبة بعموم المجاز فإنه يشتمل التوبة عن الكفر والتوبة عن المعاصي، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق من لم يطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن أمنت من قبل (٨) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث صفوان بن عسال، وروى مسلم من حديث أبي موسى الأشعري : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار لتوبة مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها )(٩) وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلممن تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) وروى أحمد وأبو داود والدارمي عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا ينقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من التوبة )(١٠). وقد ورد الأحاديث بلفظ الإيمان من غير لفظ التوبة منها ما روى البغوي : بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أمنوا أجمعون وحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) وروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها )(١١) وتأويل هذه الأحاديث لا يكون إلا أن يقال معناه لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيرا إيمانها أي تحصيل الإيمان في ذلك اليوم بعد ما لم يكن.
ولعل قوله تعالى : لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير تدل على أن من كان كافرا قبل ذلك لا
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الفتن واشراط الساعة، باب: في الآية التي تكون قبل الساعة(٢٩٠١).
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الفتن واشراط الساعة، باب: خروج الرجال ومكثه في الأرض (٢٩٣١)..
٤ أخرجه مسلم فيكتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الرجل وصفته وما بعده(٢٩٣٧)..
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: المهدي (٤٢٧٥).
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في المهدي(٢٢٣٢)...
٧ سورة الإنسان، الآية: ٢٤..
٨ -أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار ما ذكر من رحمة الله لعباده(٣٥٣٦)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب وتكررت الذنوب والتوبة.(٢٧٥٩)..
١٠ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الهجرة هل انقطعت (٢٤٧٧)..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان(١٥٨)..
التفسير المظهري
المظهري