ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ

يقول الله جل وعلا : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانه خيرا قل انتظروا إنا منتظرون١٥٨ ( الأنعام : آية١٥٨ )، هذا استفهام معناه النفي، والمعنى : أن هؤلاء الكفار، والذين يكذبون بآيات الله ويصدفون عنها، يكذبون ويصدفون الناس عنها، ويحملونهم عن الإعراض عنها، ما ينظرون، أي : ما ينتظرون، لأن معنى قوله : هل ينظرون هي ينتظرون. والعرب تطلق ( نظر ) بمعنى : انتظر، والدليل عليه هنا أنه بينه في آخر الآية فقال : قل انتظروا إنا منتظرون ونظيره من كلام العرب، من إطلاق( نظر )وإرادة :( انتظر ) قول امرئ القيس :

خليلي مرا بي على أم جندب لتقضى لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
وقوله :" تنظراني " أي : تنتظراني. يعني : ما ينظر هؤلاء المكذبون إلا إحدى الدواهي العظام الآتية إلا ان تأتيهم الملائكة جمهور المفسرين على أن المراد بإتيان الملائكة : إتيان الملائكة لقبض أرواحهم، لأن ملك الموت الذي يقبض أرواح الناس له أعوان كثيرة يقبضون الروح. قال بعض العلماء : حتى يبلغوها الحلقوم فيأخذها ملك الموت. وقد قال جل وعلا : توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( الأنعام : آية٦١ ) فدل على أنها رسل متعددة أعوان ملك الموت، ولذا أسند التوفي لرسل متعددة توفته رسلنا وهم لا يفرطون وأسنده مرة لملك الموت قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ( السجدة : آية١١ ) وأسنده مرة لنفسه الله يتوفى الأنفس حين موتها ( الزمر : آية ٤٢ ) وإسناده لنفسه واضح، لأن كل شيء واقع بمشيئته. وإسناده لملك الموت لأنه الملك الموكل بقبض الأرواح. وإسناده لرسل متعددة، لأن لملك الموت أعوانا كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح. قال بعض العلماء : ينزعونها إلى الحلقوم فيأخذها هو أي : ملك الموت.
والمعنى : ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة فتقبض أرواحهم على الشقاء والكفر، فيخلدون في النار تخليدا مؤبدا.
أو يأتي ربك أي : يأتيهم الله لفصل الخطاب يوم القيامة، فيعذبهم العذاب الأكبر عندما يأتي ليحاسب الناس على أعمالهم، وإتيان الرب هنا هو معنى قوله جل وعلا : وجاء ربك والملك صفا صفا٢٢ ( الفجر : آية٢٢ ) وقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ( البقرة : آية٢١٠ ).
وهذه الآيات ونحوها من الآيات، كمجيء الرب في هذه الآيات، الذي أخبر به عن نفسه، كنزوله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر يقول :" هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له "، كل هذه من آيات الصافات وأحاديثها أشكلت على آلاف الخلق، وضل فيها ملايين الناس من حذاق النظار، الفحول العلماء، لأن التوفيق بيد الله.
ونحن نحرر لكم هذا المقام تحريرا شافيا واضحا على ضوء نور القرآن العظيم، بحيث يتيقن العاقل أن من مات عليه لقي الله سالما. اعلموا أيها الإخوان أنا نوصيكم وأنفسنا بهذا الذي نقوله لكم في الخروج من هذا المأزق الأكبر، ومزلة الأقدام التي زلت فيها أقدام الآلاف ممن ينتمي للعلم، في آيات الصفات، فمن معطل ناف لها، ومن مشبه مجسم، ومن مغير لها آت بغيرها. والحق الفصل في هذا : هو أن البيان بالقرآن، والله أوضح هذه المسألة إيضاحا شافيا لا لبس في الحق معه، ولكن الله يهدي من يشاء. أما الذين يؤولون صفات الله، ويقولون : لها ظاهر غير مراد، لأنه ظاهر يفهم غير اللائق بالله ! ! فيصرفونها ويأتون بشيء بدل ذلك من عند أنفسهم ! ! فهم كما قال الشافعي( رحمه الله )-لأنهم يقصدون الخير، ولكنهم غلطوا ووقعوا في شر مما فروا منه، وقول الشافعي المذكور- بيته المشهور :
رام نفعا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا
والمخرج من هذا المأزق : هو الاعتماد على ثلاثة أصول كلها من كتاب الله، فمن لقي الله معتقدا لها ومات عليها لقي الله سالما على المحجة البيضاء، التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ومن أخل بواحد منها دخل في مهواة وبلايا قد لا يتخلص منها. فأوصيكم بهذه الأصول الثلاثة القرآنية، لأنها هي المخرج الإلهي القرآني من هذا المأزق العظيم.
الأول : من هذه الأصول الثلاثة : هو أساس التوحيد، والحجر الأساسي لمعرفة الله معرفة على الوجه الصحيح، وهو تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خلقه. هذا هو الأصل الأكبر، والحجر الأساسي لمعرفة الله على الوجه الصحيح اللائق، تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خلقه في صفاتهم، أو ذاوتهم، أو أفعالهم. ومن هم الخلق يا إخوان ؟ من هم الخلق ؟ ! أليسوا أثرا من آثار قدرته وإرادته، وصنعة من صنائعه ؟ وكيف يخطر في ذهن العاقل أن الصنعة تشبه صانعها ؟ لا، وكلا ! ! فمن رزقه الله علم هذا الأساس، وهذا الأصل الأكبر، وأساس العقيدة الصحيحة الذي هو تنزيه خالق السماوات والأرض عن أن يشبه شيئا من خلقه في شيء من صفاتهم، أو ذواتهم، أو أفعالهم فقد رزقه الله أساس التوحيد، وحجره الأساسي. وهذا إذا امتلأ منه قلب المؤمن، وعرف أن صفة الله عندما تسند إلى خالق السماوات والأرض تمتليء القلوب من الإجلال والإعظام والإكبار، وتنزيه صفة الله عن أن تشبه شيئا من صفات خلقه. هذا هو الأصل الأول وهو في ضوء قوله ليس كمثله شيء ( الشورى : آية١١ ) ولم يكن له كفوا أحد٤ ( الإخلاص : آية٤ ) فلا تضربوا لله الأمثال ( النحل : آية٧٤ ) هل تعلم له سميا ( مريم : آية٦٥ ) أي : مساميا يساميه في المكانة والقوة والفضل. إذا استحكم هذا الأساس في قلب العبد، وكان قلبه طاهرا من أقذار تنجيس التشبيه منزها لله، عالما أن وصف الله أجل وأعظم وأكبر وأنزه من أن يشبه صفة المخلوق/ فإذا استحكم هذا الأصل في قلبه.
فالأصل الثاني : هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، إيمانا مبنيا على أساس هذا التنزيه، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله أأنتم أعلم أم الله ( البقرة : آية١٤٠ ) ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله، الذي قال فيه : وما ينطق عن الهوى٣ إن هو إلا وحي يوحى ٤ ( النجم : الآيتان٣-٤ ) فهذا الذي قلت لكم في هذين الأصلين –ان الأول : تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق. والثاني : الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به نبيه إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه- ما قلته لكم من تلقاء نفسي، ولا رواية عن زيد ولا عمرو، بل في ضوء نور المحكم المنزل، الذي هو آخر الكتب السماوية عهدا بالله، وهذا تعليم رب العالمين، وذلك الإيضاح السماوي في قوله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : آية١١ )، فاعلموا أيها الإخوان أن الإتيان بقوله : وهو السميع البصير بعد ليس كمثله شيء فيه سر أعظم، ومغزى أكبر، وتعليم سماوي، ولا يترك في الحق لبسا، لأن السمع والبصر صفتان هما أشد الصفات توغلا في التشبيه، فجميع الحيوانات تسمع وتبصر، ولذا جاء بقوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء يعني : لا تتنطع يا عبدي، وتشبه صفتي بصفة مخلوقي، وتنفي عني سمعي وبصري، بدعوى أنك إن أثبت لي السمع والبصر شبهتني بالحمير والآدميين وغيرهم من الحيوانات التي تبصر ! !
لا يا عبدي، أثبت لي سمعي وبصري، ولكن لاحظ في ذلك الإثبات قولي قبله متصلا به : ليس كمثله شيء ( الشورى : آية١١ ) السمع والبصر على أساس نفي المماثلة.
فأول الآية الكريمة فيه النفي التام للتشبيه والتمثيل، وآخرها فيه الإيمان بالصفات من غير تكييف ولا تعطيل على أساس التنزيه عن التشبيه والتمثيل.
فعلينا أن نعمل بأول الآية. فننزه ربنا، وذلك هو الأساس، فإذا نزهناه عن مشابهة خلقه وحملنا أوصافه في القرآن والسنة على الأوجه الكريمة اللائقة. كان من السهل علينا أن نؤمن بالصفات، لأننا نؤمن بها على أساس التنزيه عن مشابهة الخلق.
فالأصل الأول : وهو أساس التوحيد : تنزيه الله عن مشابهة شيء من خلقه بشيء من صفاتهم، أو ذواتهم، أوأفعالهم.
والأصل الثاني : عدم جحد شيء مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، بل يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصف به رسوله إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه، على غرار : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : آية١١ )
الأصل الثالث : هو أن نعلم أن العقول مخلوقة واقفة عند حدها، لا تحيط علما بخالقها، فهي عاجزة عن إدراك كيفية الاتصاف بالصفات، والله يقول : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما١١٠ ( طه : آية١١٠ ).
فملعوم أن المتكلمين الذين نفوا كثيرا من صفات الله بالأدلة العقلية المفرغة في قوالب أقيسة منطقية قسموا الصفات قسمة سداسية، قالوا : منها صفة نفسية، ومنها صفة معنى، ومنها صفة معنوية، ومنها صفة فعل، ومنها صفة جامعة، كتقسيمهم المعروف.
ونحن نبين لكم أن كل هذه الصفات جاءت الآيات القرآنية بوصف الخالق بها، وبوصف المخلوق بها، والكل من ذلك حق، فالخالق حق، وصفاته حق، والمخلوق حق، وصفاته حق. ولكن صفة المخلوق ملائمة لذات المخلوق، وصفة الخالق لائقة بذات الخالق، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، لا مناسبة ألبتة بين الذات والذات، ولا بين الصفة والصفة.
هذه صفات المعاني السبعة، الذي يقر بها من ينكر أكثر الصفات الوجودية غيرها، وهي عندهم : القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. جاءت في القرآن.
هذا السمع والبصر يقول الله فيه عن نفسه : إن الله سميع بصير ( الحج : آية٧٥ ) في وصف نفسه وصف نفسه بأنه سميع بصير، ووصف بعض خلقه أيضا بالسمع والبصر، قال : أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ( مريم : آية٣٨ ) وقال : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا٢ ( الإنسان : آية٢ ) ولا شك أن لله سمعا وبصرا حقيقيين لائقين بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر حقيقيان مناسبان لعجزه وفنائه وافتقاره، وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.
وقال( جل وعلا ) في وصف نفسه بالحياة : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( البقرة : آية٢٥٥ )، وتوكل على الحي الذي لا يموت ( الفرقان : آية ٥٨ )، هو الحي لا إله إلا هو ( غافر : آية ٦٥ ).
ووصف بعض خلقه بالحياة، قال : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يولد حيا١٥ ( مريم : آية١٥ )، وجعلنا من الماء كل شيء حي ( الأنبياء : آية ٣٠ )، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ( يونس : آية٣١ ).
فنحن نقطع ان لله حياة عظيمة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوقين حياة مناسبة، وعجزهم، وفنائهم، وافتقارهم، وبين الصفة والصفة من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات.
ووصف نفسه بالعلم، قال : والله بكل شيء عليم ( البقرة : آية٢٨٢ )، لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ( النساء : آية ١٦٦ )، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين٧ ( الأعراف : آية٧ ). ووصف بعض خلقه بالعلم، قال : وبشروه بغلام عليم ( الذاريات : آية ٢٨ )، وإنه لذو علم لما علمناه ( يوس

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير