منعوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين هداية الله، كقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ [النحل ١٦/ ٨٨] أي زدناهم عذابا غير عذابهم بسبب إفسادهم وصدهم عن سبيل الحق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن القرآن مثل التوراة في أصولها الصحيحة الأولى التي فقدت وضاعت، ثم كتب عنها بديل محرّف مشوّه، مما لم يبق منهجا للبشرية وكتابا للإنسانية غير القرآن الكريم، ففيه الهداية الكاملة، والبيان الواضح المؤيد بالبراهين والأدلة العقلية، والنقلية (السمعية)، ولم يبق لأحد عذر بعد مجيء محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتأييده بالمعجزة الخالدة الباقية من غير تبديل ولا تحريف، فإن كذب به أحد، فلا أظلم منه، وسيلقى جزاء إعراضه وتكذيبه. ودل قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها على تعظيم كفر من كذب بآيات الله، ومنع عنها نفسه وغيره من الإيمان بها لأن الأول ضلال، والثاني منع عن الحق وإضلال.
إنذار أخير للكفار بسوء العذاب
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٨]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
الإعراب:
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ جملة: لَمْ تَكُنْ صفة النفس.
البلاغة:
هَلْ يَنْظُرُونَ معنى الاستفهام: النفي.
قُلِ: انْتَظِرُوا أمر تهديد ووعيد.
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها.. قال أحمد الإسكندري في حاشية الكشاف: ١/ ٥٣٧: اشتمل هذا الكلام على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف، وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل: إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا قبل: ما تكسبه من الخير بعد، إلا أنه لفّ الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا بلاغة واختصارا وإعجازا. ومبدأ أهل السنة: لا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم في السلامة من الخلود في النار.
المفردات اللغوية:
هَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون أي ما ينتظر المكذبون. إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم. أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره، بمعنى عذابه. أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي علاماته الدالة على الساعة. يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وهي طلوع الشمس من مغربها، كما في حديث الصحيحين. أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها أي: أو نفسا لم تكن كسبت في إيمانها طاعة، أي لا تنفعها توبتها، كما في الحديث.
المناسبة:
هذه الآية إنذار للكفار بعد إنذار بسوء العذاب، فلما بيّن الله تعالى أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، بيّن أنهم لا يؤمنون البتة، أي لا أمل في إيمانهم.
التفسير والبيان:
يتوعد الله تعالى الكافرين والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله، فهم ما ينتظرون ولا يؤمنون إلا إذا جاءهم أحد أمور ثلاثة: وهي مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الله تعالى.
ومعنى مجيء الملائكة هو مجيئهم لقبض أرواحهم. ومعنى إتيان الله: إتيان ما وعد به من نصر أنصاره وأوعد به من تعذيب أعدائه في الدنيا، والمراد من مجيء بعض آيات الله: حدوث بعض الحوادث القاهرة الموجبة للإيمان الاضطراري.
وكان مشركو مكة قد طلبوا نزول الملائكة وإتيان الله أو رؤيته، كما حكى القرآن: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا [الفرقان ٢٥/ ٢١]. أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء ١٧/ ٩٢] وطلبوا أيضا إنزال بعض آيات الله مثل أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء ١٧/ ٩٢].
وقوله أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله؟
أجيب بأن هذا حكاية عن الكفار، واعتقاد الكافر ليس بحجة، أو أن هذا مجاز، مثل قوله تعالى. فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل ١٦/ ٢٦] وذلك لقيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال.
وفي هذه الآية إيماء إلى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم الاعتداد بها.
ثم وجّه الحق تعالى إنذارا أخيرا لهم بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ... أي يوم تأتي الآيات الملجئة للإيمان الاضطراري لا ينفع حينئذ الإيمان مثل إيمان فرعون حينما أحدق به الغرق، كما لا ينفعها توبة لم تكن حدثت في وقت السعة قبل الغرغرة.
وبعض هذه الآيات قد يحدث قبل خروج الروح، أو قبيل يوم القيامة حين ظهور أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية،
فيما أخرجه هو والجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». وفي لفظ: «فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ثم قرأ هذه الآية.
وأخرج أحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض».
قُلِ: انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ أي قل لهم يا محمد: انتظروا ما تتوقعون حدوثه من دحر الإسلام، وقتل النبي، وزوال الدين، إنا منتظرون وعد ربنا الصادق لنا بالنصر ووعيده المتحقق لأعدائنا، مثل قوله تعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، قُلْ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [يونس ١٠/ ١٠٢].
وهذا تهديد شديد للكافرين ووعيد اكيد لمن أرجأ إيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، كما قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر ٤٠/ ٨٤- ٨٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أمور ثلاثة:
الأول- إنه لا أمل في إيمان الكفار المعاندين، لتماديهم في تكذيب آيات الله.
الثاني- لا ينفع الإيمان الاضطراري عند رؤية العذاب في الدنيا، أو عند مجيء بعض علامات القيامة.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي