قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ؛ قرأ حمزةُ والكسائيُّ :(فَارَقُوا) بالألفِ ؛ أي خَرَجُوا من دينِهم وتركوهُ ؛ وهي قراءةُ عَلِيٍّ رضي الله عنه. وقرأ الباقونَ (فَرَّقُوا) بالتَّشديدِ بغيرِ ألفٍ ؛ وهي قراءةُ ابنِ مسعُودٍ وابنِ عَبَّاس وأُبَيّ بنِ كعبٍ ؛ أي جعلُوا دينَ الله فِرَقاً يتهوَّدُ قوم، ويَتَنَصَّرُ قومٌ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَانُواْ شِيَعاً أي فِرَقاً مختلفةً.
وقال مجاهدُ :(أرَادَ بهِمْ الْيَهُودَ) فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُمَالِئُونَ الْمُشْرِكِيْنَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ. وقال قتادةُ :(هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؛ فَإنَّ بَعْضَهُمْ يُكَفِّرُ بَعْضاً). وعن أبي هريرةَ أنه قال :(هُمْ أَهْلُ الْبدَعِ وَالضَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُكَفِّرُ بَعْضاً بالْجَهَالَةِ).
قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانُواْ شِيَعاً ؛ أي فِرَقاً مختلفةً، والشِّيَعُ : جمع الشِّيْعَةِ ؛ وهي الفِرْقَةُ التي يَتْبَعُ بعضُها بعضاً ؛ يقال : شَايَعَهُ على الأمرِ ؛ إذا اتَّبَعَهُ، وَقِيْلَ : أصلُ الشِّيَعِ الظُّهُورُ ؛ يقال : شَاعَ الحديثُ يَشِيْعُ، إذا ظَهَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى : لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ؛ أي لَسْتَ مِن مذاهبهم الباطلة في شيءٍ ؛ أي أنتَ بَرِيْءٌ من جميعِ ذلك، إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ؛ أي مصيرُهم ومُنْقَلَبُهُمْ إلى اللهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُم ؛ ثم يجزيهم في الآخرةِ، بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ؛ أي بما كانوا يعملونَ في الدُّنيا، فَيَنْدَمُ الْمُبْطِلُ، ويَفْرَحُ الْمُحِقُّ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني