ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

إن الذين فرقوا دينهم قرأ حمزة والكسائي فارقوا من المفاعلة يعني خرجوا من دينهم وتركوه والباقون فرقوا من التفعيل يعني أمنوا ببعض وكفرو ببعض أو المعنى أنه صاروا فرقا مختلفة، قال : مجاهد وقتادة السدي هم اليهود والنصارى تهود قوم وتنصر قوم وكان دين واحد وهذا ليس بسديد لأن تهودهم ابتنى على بعوث موسى ومجيئه بشرع جديد وتنصر آخرين على بعثة عيسى، وكان أصول دين اليهود والنصارى واحدا هي أصول دين إبراهيم وإنما كفر يهود بإنكارهم نبوة عيسى ومحمد صلى الله عليهما وكفر النصارى بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذا ليس بمراد من هذه الآية، بل المراد هاهنا تخليطهم في دينهم ما ليس منه بأهوائهم وإغواء الشياطين فالذين افترقوا في دينهم يعم الذين اتبعوا أهوائهم من الأمم السابقة ومن أصحاب البديع والأهواء من هذه الأمة. عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن من كان منهم أتى أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين ملة وتفرق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي رسول الله ؟ قال :( ما أنا عليه وأصحابي )(١) رواه الترمذي وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية ( اثنتان وسبعون في النار وواحد في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج في أمتي أقوام يتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه لا يبقى منه زق ولا مفصل إلا دخله ) (٢) وفي رواية من حديث أبي هريرة( افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على اثنان وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة ) رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه، قال : البغوي : روي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة :( يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة ) أخرجه الطبراني وغيره بسند جيد، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم نحوه، وعن العرباض بن سري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل بوجوهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال : رجل يا رسول الله كأن هذا موعظة مودع فأوصنا، فقال :-أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإن من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )(٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي ابن ماجة إلا أنهما لم يذكر الصلاة، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أتباع السواد الأعظم ومن شذ شذ في النار ) ذكر صاحب المصابيح ورواه ابن ماجة عن أنس، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة )(٤) وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويدا الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار )(٥) رواه الترمذي، وعمن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلممن فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )(٦) رواه أحمد وأبو داود، الجماعة جماعة الصحابة ومن تبعهم. أعلم أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأعطاه كتابه ومثله معه من العلم بالوحي الغير المتلو ومن الكتاب نصوص محكمات لا شبهة في مرادها وأخر خفيات ومشكلات ومجملات ومتشابهات التزم الله سبحانه على نفسه بيانها للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ثم إنا علينا بيانه( ١٩ ) (٧) ثم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمه الله أصحابه وعلموه حتى انتهى إلينا، فسعادة ابن آدم أن يتبع كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين ويتبع في تأويل ما خفي مراده من الكتاب والسنة ما اختاره الصحابة من التأويل، وأما أهل الأهواء اتبعوا عقولهم وأهوائهم كما وافق من الكتاب آراءهم أخذوه وآمنوا به وما لم يصاعده عقولهم أنكروه وكفروا به فأنكروا روية الله سبحانه في الآخرة وعذاب القبر ووزن الأعمال والصراط والحساب، وكون كلام الله غير مخلوق وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة وأجمع عليه الصحابة ففارقوا دينهم وفرقوا كتاب الله أمنوا ببعضه وكفروا ببعضه هذا طريق المعتزلة وكثير منهم، وقالوا بوجوب الأصلح على الله سبحانه وإمتناع المغفرة وأنكروا القدر وقالوا إنا العبد خالق لأفعاله دون الله تعالى ولذلك سموا بموجس هذه الأمة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القدرية مجوس هذه الامة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم )(٨) رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، وقال عليه السلام ( صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية ) رواه الترمذي، وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي يجاب : الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز من أذله الله ويذل من أعزه الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عثرة ما حرم الله والتارك لسنتي ) رواه البهيقي في المدخل ورزين في كتابه. قلت : الزائد في كتاب الله الروافض يزعمون غير ما بين في المصحف قرآنا ويحكمون أن الصحابة أخرجوه من القرآن ولا يؤمنون بقوله تعالى : وإنا له لحافظون (٩) و المكذب بقدر الله القدرية، والمستحل من عثرته صلى الله عليه وسلم الخوارج، والتارك لسنته سائر المبتدعة ومن أهل الهواء ومن اتبع المتشابهات الكتاب بناء على زيغ في قلوبهم ولم يقتفوا السلف في تأويلها والإيمان بها وذلك دأب المجسمة والمشبهة وأمثالهم وأما الروافض ففارقوا دينهم بالكلية فإن الدين مستفاد من الكتاب والسنة والإجماع فهم تركوا كتاب الله وأنكروا الوثوق حيث قالوا إن عثمان حذف من القرآن قريبا من الربع وزاد فيه ما زاد ما تركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ادعوا كفر جميع الصحابة وارتدادهم ولا سبيل إلى معرفة الأحاديث إلا بالسمع ولا يتصور السمع إلا بتوسط الصحابة، وأنكروا إجماع الصحابة وبنوا دينهم على مفتريات مزخرفات نسبوه إلى الأئمة جعفر الصادق ومحمد الباقر وآبائه الكرام، ولما ثبت بالتواتر إثر الأئمة مطابقا لأثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ادعوا افتراص التقية، وقالوا : كان ظاهر كلام الأئمة مبنيا عل التقية وما وصل إلينا علموا أسلافنا سرا مختفين قائلين لا تفشوا هذه الأسرار فإن للجدران آذان وأنت تعلم أن ما كان مرويا على سبيل الإخفاء والإسرار لا يحتمل الشهرة والتواتر وأن أخبار الآحاد إن كان من الثقات لا يفيد العلم إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، كيف إذا كان رواة الأخبار آحادا من الكذابين إلا بالسنة مثل عبد الله بن سبأ يهودي المنافق وهشام بن سالم وهشام بن حكم وزيد بن جهيم والهلالي وشيطان الطاق وديك الجن الشاعر وغيرهما ذكرنا أحوالهم وأحوال غيرهم من رجال الروافض في السيف المسلول فلعل من إعجاز القرآن الإشارة إلى فرق الروافض الذين يسمون أنفسهم شيعة بقوله تعالى : وكانوا شيعا أي فرقا تشبع على فرقة منهم إماما على زعمهم، عن علي عليه السلام قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فيك مثل من عيسى أبغضه اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له ) ثم قال : علي : يهلك في رجلان محب مفرط يفرطنني بما ليس في ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني ) رواه أحمد، وعن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يكون في أتي قوم يسمعون الرافضة يرفضون الإسلام ) رواه البيهقي، وعنه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :( سيأتي بعدي قوم لهم يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون، قال : قلت يا رسول تالله ما العلاقة فيهم ؟ قال : يفرظونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف ) رواه الدارقطني، وأخرج الدارقطني من طريق آخر نحوه وزاد فيه( ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر ) في الباب أحاديث أخر ذكرناها في السيف المسلول لست يا محمد منهم في شيء يعني أنت بريء منهم وهم براء منك يقول العرب إن فعلت كذا فليست مني ولا أنا منك إنما أمرهم في الجزاء والمكافأة إلى الله يعني يجزيهم على قدر تباعدهم عن الحق ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون إذا وردوا يوم القيامة يعني يجزون أولا على تفرقهم في دينهم وسوء اعتقادهم ثم يجزون على أفعالهم ومعاصيهم

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في الإفتراق هذه الأمة (٢٦٤١)..
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: شرح السنة(٤٥٨٥).
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في اللوازم السنة (٥٥٩٥) وأخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة والإجتناب البدع (٢٦٧٦) وأخرجه ابن ماجة في المقدمة، باب: اجتناب البدع والجدل(٤٦)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في لوزم الجماعة(٢١٩٢)..
٥ رواه أحمد و الطبراني و رجال أحمد ثقات إلا إأن العلاء إبن زيد قيل لم يسمع من معاذ. أنظر مجمع الزوائد في الكتاب الخلافة، باب: لوزم الجماعة وطاعة الأئمة والنهي عن قتالهم(٩١٠٨)..
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في خروج (٤٨٤٥)..
٧ سورة القيامة، الآية١٩..
٨ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر(٤٦٧٩)..
٩ سورة الحجر، الآية: ٩....

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير