إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون١٥٩ ( الأنعام : آية١٥٩ ).
[ قرأ الجمهور ] ( في هذا الموضع وجد مسح في التسجيل وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) غير حمزة والكسائي : إن الذين فرقوا دينهم بتشديد الراء، وعدم ألف بعد الفاء، وقرأه حمزة والكسائي إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا أما على قراءة حمزة والكسائي : فارقوا دينهم فالمعنى واضح، لأنهم ارتدوا-والعياذ بالله- عن الدين وفارقوه، وصاروا طوائف كافرة، كل طائفة ملحدة كافرة غير الأخرى. وأما على قراءة الجمهور : فرقوا دينهم فالمراد بتفريقهم الدين : أن كل طائفة تنتحل نحلة تزعم أنها هي الدين. فهي في أهل الأهواء والبدع والضلالات، ويدخل فيهم اليهود والنصارى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ( البقرة : آية١١٣ ) فقد فرقوا دينهم. ومعناه : ان كل طائفة وفرقة انتحلت نحلة تزعم أنها هي الدين الحق، وأن ما سواه باطل، والجميع كله ضلال وبدع وأهواء. كما ذكرنا في الحديث : أن النبي بين هذا التفريق، وأن اليهود افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة، وهذه الإحدى والسبعين فرقت دينها، وجعلته إحدى وسبعين فرقة، كل واحدة تدعي أنها على الحق، وأن غيرها ضال، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، كل فرقة تزعم أنها على الحق، وأن غريها ضال. وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، تزعم كل واحدة أنها على الحق. وجميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة.
وعلامة هذه الفرقة الواحدة : هي الخالية من البدع والأهواء والمبتدعات بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، المخالفة لشرعه، بل هي التي تمشي على الجادة والمحجة البيضاء، التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. هذه الفرقة هي الناجية : وهي المسماة بأهل السنة والجماعة، وإن كانوا قليلا، لأن أكثر الأرض على الضلال، أكثر من في الأرض ضلال في النار، والذين هم على الهدى وأهل الجنة قلة جدا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نصيب الجنة من الألف واحد، ونصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة. وهذا ثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، ولما شق هذا على أصحابه أخبرهم بكثرة المشركين، وأن هناك قبيلتين قد تكون الألف منهم، والواحد منكم : يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج من العلامات العشر التي ذكرها مسلم لم نذكرها، وهذه الفرق كلها في النار، ونصيب الجنة واحد من الألف لكثرة الكفار، والله يقول : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ( الأنعام : آية١١٦ ) وما كان أكثرهم مؤمنين ( الشعراء : آية٨ )، ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين٧١ ( الصافات : آية٧١ ) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين١٠٣ ( يوسف : آية١٠٣ ) فالأكثرية أهل النار، وهي التي منها هذه البدع والأهواء والفرق الضالة الزائغة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والهدى لا يخفى :
| الحق أبلج لا تزيغ سبيله | والحق يعرفه أولو الألباب |
| أقبل وأدبر ولا تخف أحدا | بنو سعيد أعزة الحرم |
والشاهد أن الذين هم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سالمون من الدعاوى الكاذبة، والخرافات المضللة، بل هم على صراط مستقيم، وهدي واضح لا دعاوى فيه ولا تضليل ولا تهريج، يقتفون آثار النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل بكتابه وسنته، ومجالسهم كأن على رؤوسهم الطير فيها. فمن كان على هديه صلى الله عليه وسلم في الأعمال والأقوال والأفعال والسمت والعقيدة فهو الفرقة الناجية، وغيره هي الفرق الضالة المضلة التي فرقت دينها وجعلته شيعا.
وقوله : وكانوا شيعا الشيع جمع شيعة، وكل قوم تشيعوا واجتمعوا على نصرة رجل، أو على نحلة ينتحلونها فهم شيعة، سواء كانت في الخير أو في الشر، ومنه قوله في نوح : وإن من شيعته لإبراهيم٨٣ ( الصافات : آية٨٣ )أي : من جماعته الذين هم على دينه وهديه، ومنه قول الكميت، وهو من الشيعة الذين يتشيعون لآل النبي صلى الله عليه وسلم :
| ومالي إلا آل أحمد شيعة | ومالي إلا مذهب الحق مذهب |
لست منهم في شيء معناه : أنت بريء منهم، وهم برآؤا منك، لست على دينهم وليسوا على دينك. والعرب إذا كان الإنسان بريئا من الإنسان يقولون : لست منك ولست مني. ومنه قول نابغة ذبيان :
| إذا ما رمت في أسد فجورا | فإني لست منك ولست مني |
ثم قال : إنما أمرهم إلى الله إنما أمرهم ومصيرهم إلى ربهم، فالله هو الذي حكم عليهم في دار الدنيا بذلك الشقاء والخذلان وطمس البصيرة، وهو الذي يجازيهم يوم القيامة على ما كان منهم، وذلك معنى قوله : إنما أمرهم إلى الله .
ثم ينبئهم يوم القيامة. أي : يخبرهم إذا جاؤوه بالذي كانوا يعملونه في الدنيا، فيجدون كل ما عملوه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويقال للإنسان : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا١٤ ( الإسراء : آية١٤ )، فيجد الإنسان كل ما قدم وأخر يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه ( آل عمران : آية٣٠ ) وهذا معنى قوله : إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون والمراد بالتنبئة هنا ليس مجرد الإخبار، ينبؤهم ليقروا ويعترفوا فيعلمون أنه إنما عاقبهم على عدل وليس ظلم، والنبأ في لغة العرب أخص من مطلق الخبر، لأن كل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ، لأن العرب لا تطلق النبأ إلا على الخبر الذي له شان وخطب، فيقولون : جاءنا نبأ الجيوش، ونبأ الأمير، وخبر الجيوش، وخبر الأمير. أما لو قال قائل : تلقينا اليوم نبأ عن حمار الحجام. فإن هذا لا يكون من كلام العرب، / لأن حمار الحجام لا اهمية له، وإطلاق النبأ عليه وضع للنبأ في غير موضعه، فاللائق أن يقول : خبر حمار الحجام، لأن النبأ لا يطلق إلا على ما له شأن، وكون التنبئة هنا لها شأن لعظمة الله بإحصائه إياها، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولعظمة الخطب عليهم، كما قالوا : ياويلنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ( الكهف : آية٤٩ ).
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير