٥٢ - قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه إلى قوله تعالى(١) : فتكون من الظالمين :
المراد بالدعاء هنا(٢) اختلف فيه : فقيل : الصلوات الخمس. وقيل : الدعاء. وقيل (٣) : ذكر الله، واللفظ على وجهه. وقيل : الاجتماع إليهم غدوة(٤) وعشيا. وقيل : هو قراءة القرآن وتعلمه. وقيل : هو العبادة(٥). وقوله : بالغداة والعشي اختلف فيه. فقيل : هو (٦) عبارة عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به كما تقول : الحمد لله(٧). ويحتمل أن يريد بهما الوقتين المخصوصين(٨)، ولأجل هذا قال بعضهم : المراد بالغداة والعشي منها صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيا(٩).
وسبب الآية ما كان من أشراف قريش من قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أزلت عنك الضعفاء وطردتهم لاتبعناك(١٠). وقد يؤخذ من هذه الآية(١١) ألا يمنع من يريد أن يذكر الناس بالله وبأمور الآخرة سواء كان في جامع أو صومعة أو طريق ونحو ذلك. وقد اختلف المتأخرون في المؤذن يؤذن بالأسحار ويبتهل بالدعاء ويردد ذلك إلى أن يصبح فشكاه الجيران. هل يمنع أم لا ؟
فذهب جماعة إلى أنه يمنع، واحتجوا بحديث تميم الداري(١٢) إذ قال لعمر : دعني أدعو الله تعالى وأقص وأذكر الله. فقال عمر : لا. فأعاد عليه. فقال : لا. أنت تريد أن يقال : هذا تميم الداري فاعرفوني. وقد قال مالك(١٣) : القصص بدعة. ومن حجتهم أيضا حديث سعيد بن المسيب(١٤) إذ قال لبرد(١٥) مولاه : اطرد عني هذا القارئ يعني عمر بن عبد العزيز(١٦) وذهب جماعة إلى أنه لا يمنع. واحتجوا أنه كان بالبصرة عروة بن أذينة يقوم الليل يصيح في الطريق ويخوفهم بقول الله تعالى : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ( ٩٧ ) (١٧) [ الأعراف : ٩٧ ] الآيات، وبما جاء من أن الناس بالمدينة كانوا يتواعدون عند خروجهم لأسفارهم لقيام القرآن وكانوا يقرؤون بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل. واحتج بعضهم(١٨) أيضا بالآية التي نحن فيها : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية.
٢ في (و)، (ز): "ها هنا"..
٣ كلمة "وقيل" ساقطة في (ح)..
٤ في (ح): "غدوا"..
٥ ذكر نحوه في المحرر الوجيز ٦/ ٥٧، وكذلك في جامع البيان للطبري ١١/ ٣٨٥..
٦ كلمة "هو" ساقطة في (ب)،(هـ)..
٧ "الحمد لله" ساقطة في (ح)..
٨ في جميع النسخ: "الوقتان المخصوصان". والصواب ما أثبتناه..
٩ ذكر نحوه في المحرر الوجيز ٦/٥٧، وكذلك في جامع البيان ١١/ ٣٨٢..
١٠ ذكره الواحدي في أسباب النزول: ص ١٦٢..
١١ كلمة "الآية" ساقطة في (ج)،(ح)،(د)،(هـ)..
١٢ تميم الداري: هو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن وداع (ويقال ذراع) بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم الداري. أسلم سنة تسع. توفي سنة ٤٠هـ/ ٦٦١ م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ١/ ٥١١..
١٣ مالك: هو مالك بن أنس بن مالك. إمام دار الهجرة وصاحب المذهب المالكي. توفي سنة ١٧٩هـ/ ٧٩٥ م. انظر: الموطأ: المقدمة ص ٥- ٧..
١٤ سعيد بن المسيب: المخزومي القرشي، أحد الفقهاء السبع. جمع بين الزهد والفقه والحديث. ولد سنة ١٣ هـ/ ٦٣٤م وتوفي سنة ٩٤ هـ/ ٧١٣ م. انظر: الأعلام للزركلي ٣/ ١٥٥، وكذلك وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢٠٦..
١٥ برد: لعله برد بن سنان الشامي أبو العلاء الدمشقي مولى قريش. توفي سنة ١٣٥هـ/ ٧٥١م. انظر تهذيب التهذيب ١/ ٤٢٨..
١٦ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي المدني أمير المؤمنين وأحد خلفاء بني أمية والإمام العادل. توفي سنة ١٠١ هـ/ ٧١٦م. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٤٣..
١٧ وبقية الآيات هي: أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (٩٨) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٩٩)..
١٨ كلمة "بعضهم" ساقطة في (ج)،(ح)، (د)..
أحكام القرآن
ابن الفرس