ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ

قوله : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الدعاء : العبادة مطلقاً. وقيل : المحافظة على صلاة الجماعة. وقيل : الذكر وقراءة القرآن. وقيل : المراد الدعاء لله يجلب النفع ودفع الضرر. قيل : والمراد بذكر الغداة والعشيّ الدوام على ذلك والاستمرار. وقيل : هو على ظاهره، و يُرِيدُونَ وَجْهَهُ في محل نصب على الحال. والمعنى : أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى، أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره.
قوله : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيء هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد، أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم ؟ هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله : مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا وطعن عندك في دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله عزّ وجلّ بالعبادة والإخلاص ؟ ! وهذا هو مثل قوله تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أخرى وقوله : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم من شَيء وهو من تمام الاعتراض، أي إذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل، ومن في ما عليك من حسابهم من شيء للتبعيض، والثانية للتوكيد. وكذا في ما من حسابك عليهم من شيء .
قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظالمين جواب للنهي أعني وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين، وحاشاه عن وقوع ذلك. وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى الله عليه وسلم من أهل الإسلام، كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . وقيل : إن فتكون من الظالمين معطوف على فتطردهم على طريق التسبب، والأوّل أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير قال : الأعمى الكافر، الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، والبصير : العبد المؤمن، الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما أتاه الله. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن مسعود : قال مرّ الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء، اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله فيهم القرآن وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ إلى قوله : والله عَلِيم بالظالمين .
وقد أخرج هذا السبب مطوّلاً ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، وفيه : إن الذين جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن ماجه وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل، عن خباب قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فذكر نحو حديث عبد الله بن مسعود مطوّلاً. قال ابن كثير : هذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.
وأخرج مسلم والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد نزلت هذه الآية في ستة : أنا وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، ورجلان لست أسميهما، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي .
وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : بالغداة والعشى قال : يعني الصلاة المكتوبة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : الصلاة المكتوبة الصبح والعصر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي في الآية قال : هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر. قال سفيان : أي أهل الفقه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني : أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا يعني : أهؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أهؤلاء الذين مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا أي لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا الجهد.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ماهان قال : أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما ردّ عليهم شيئاً فانصرفوا، فأنزل الله : وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بآياتنا الآية، فدعاهم فقرأها عليهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال : أخبرت أن قوله : سلام عَلَيْكُمُ كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم بالسلام، فقال سلام عَلَيْكُمُ وإذا لقيهم فكذلك أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله : وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الآيات قال : نبين الآيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية