قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ٥٠ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون٥١ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين٥٢ وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين٥٣
إن الآيات الأربع التي قبل هذه الآيات قد بينت أركان الدين وأصول العقائد وهي توحيد الله عز وجل والرسالة أو وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام والجزاء على الأعمال. وقد جاءت الآيتان الأوليان من هذه الآيات بعدهن مفصلتين لما فيهن من بيان وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وإزالة أوهام الناس فيها، ومن بيان أمر الجزاء في الآخرة وكون الأمر فيه لله تعالى وحده، على الوجه الذي يزيد عقيدة التوحيد تقريرا وتأكيدا، وبيانا وتفصيلا. وذهب الرازي إلى أن هذا من بقية الكلام على قوله : وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه [ الأنعام : ٣٨ ] وما قلناه أظهر.
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه روى أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم عن عبد الله بن مسعود قال : مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل فيهم القرآن وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم – إلى قوله – أليس الله بأعلم بالشاكرين وقيل إلى قوله : سبيل المجرمين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل في أشراف الكفار من بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا له : لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد١ فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا٢ كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لإتباعنا إياه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم – إلى قوله – أليس الله بأعلم بالشاكرين قال وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر فأنزل الله : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا . هذا أقوى ما أورد السيوطي في الدر المنثور، واختصر الروايتين في لباب النقول.
ولا ينافي هذا نزول السورة دفعة واحدة وكون هذه الآيات ليست مما استثناه بعضهم وبيناه في الكلام عليها قبل الشروع في تفسيرها، لأن قولهم أن كذا نزل في كذا يصدق بنزوله وحده وبنزوله في ضمن سورة كاملة أو سياق من سورة لكن ظاهر ما زاده عكرمة من نزول وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا في عمر يدل على أن نزولها كان بعد اعتذاره وأن اعتذاره كان بعد نزول ما قبلها، ويعارض هذا الظاهر ما ورد في نزولها دفعة واحدة وكون هذه الآية ليست مما استثني وهو أثبت من هذه الرواية وما ورد في سبب نزول الآية أيضا وسيأتي قريبا، وحينئذ يقال إما أن الزيادة غير مقبولة، وإما أن ظاهر العبارة غير مراد، وإنما لم نرد الرواية من أصلها مع أن في سندها من المقال ما فيه لأن نزول الآيات الأولى في ضعفاء الصحابة هو الواقع الذي لا مندوحة عنه والروايات فيه مبينة للواقع يؤيد فيه بعضها بعضا فلا يضر في مثله ضعف الراوي ببدعة أو بتدليس أو تحديث بعد اختلاط أو نحو ذلك من العلل التي في رجال هذه الرواية.
وأما كون هذا هو الواقع فمعلوم من السيرة النبوية ومن سنة الله تعالى في خلقه المبينة في آيات كثيرة من كتابه وهو أن أول أتباع خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم كأتباع من تقدمه من إخوانه الرسل صلى الله عليه وسلم أكثرهم من الضعفاء الفقراء، وأن أعداءه كأعدائهم هم المترفون من الأكابر والرؤساء، وأن هؤلاء الأعداء المستكبرين عن الإيمان كانوا يحتقرون السابقين إلى الإيمان ويذمونهم ويعدون أنفسهم معذورين أو محقين بعدم رضائهم لأنفسهم بمساواتهم، وتارة يقترحون على الرسل طردهم وإبعادهم، قال الله تعالى في سورة سبأ : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا بما أرسلتم به كافرون* وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [ سبأ : ٣٤ ] وقال تعالى في سورة هود حاكيا قول الملأ أي الأشراف من قوم نوح عليه السلام له وما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي [ هود : ٢٧ ] وقوله لهم : وما أنا بطارد الذين آمنوا أنهم ملاقو ربهم - إلى قوله- أفلا تذكرون [ هود : ٢٨ ] وقد حكى الله عن كفار قريش أنهم قالوا في هؤلاء الضعفاء السابقين إلى الإسلام لو كان خيرا ما سبقونا إليه [ الأحقاف : ١٠ ] وقال في شأنهم من سورة مريم : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا*وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا [ مريم : ٧٢ ].
ومعنى الآية هنا ولا تطرد أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أي في أول النهار وآخره أو في عامة الأوقات لأنه يكنى بطرفي الشيء عن جملته، يقال يفعل كذا صباحا ومساء، إذا كان مداوما عليه، وإذا أريد بالغدو والعشي حقيقتهما فيحتمل أن يراد بالدعاء الصلاة لأنها كانت في أول الإسلام صلاتين إحداهما في الصباح والأخرى في المساء، وروي عن مجاهد أن المراد صلاتا الصبح والعصر، وإلا فالدعاء الحقيقي والصلاة والقرآن المشتملين عليه. والغداة والغدوة كالبكرة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والعشي آخر النهار وقيل من المغرب إلى العشاء وقيل من بعد الزوال.
وقرأ ابن عامر ( بالغدوة ) بضم الغين وفتح الواو، ويساعده رسم المصحف لأن الكلمة فيه بالواو كالصلوة والزكوة، والباقون بالغداة بفتح الغين وقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها حسب القاعدة، واستعملت غدوة بالضم بالتنوين وبغير التنوين كبكرة ومعرفة بالألف واللام كما نقل سيبويه عن الخليل فإذا نونت قصد بها صباح يوم غير معين وإذا لم تنون قصد بها صباح معين، ولعل الأكثر في استعمالها أن تكون بغير الألف واللام، وقد ظن أبو عبيد أن هذا مطرد، ولم يعلم أن قراءة ابن عامر رواية متواترة يثبت بها تعريف الغدوة في أصح الكلام بل ظن أنها خطأ جاء من جهة الرسم فخطأ من قرأ بذلك، وحسبك في تخطئته هو أن القراءة متواترة وإن لم ينقل الخليل- وكذا المبرد- تعريفها عن العرب. والمشهور أن منع صرف غدوة وبكرة للعلمية الجنسية وقيل للعلمية الشخصية٣.
وقوله تعالى :« يريدون وجهه » حال من ضمير يدعون، أي يدعون ربهم بالغداة والعشي مريدين بهذا الدعاء وجهه سبحانه وتعالى، مبتغين مرضاته، أي يتوجهون به إليه وحده مخلصين له الدين فلا يشركون معه أحدا، ولا يرجون من غيره عليه ثوابا. ولا يتوقعون به من أحد مدحا ولا نفعا، فهذا التعبير يدل على الإخلاص لله تعالى في العمل وابتغاء مرضاته به وحده وعدم الرياء فيه، كما قال تعالى حكاية عن المطعمين الطعام على حبه إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [ الإنسان : ٩ ] وكما قال في الأتقى الذي ينفق ماله ليتزكى به عند الله تعالى ويكون مقبولا مرضيا لديه وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى [ الليل : ١٩-٢١ ] ولعل أصل ابتغاء الوجه بالعمل هو أن يعمل ليواجه به من عمل لأجله فيعتني بإتقانه ما لا يعتني بإتقان ما يعمل ليرسل إلى من عمل له أو لأنه مطلوب في الجملة من غير أن يلاحظ العامل أن من يعمله له يراه، فضلا عن كونه هو الذي يعرضه بنفسه على من يريد التقرب إليه به. وذلك أن الأعمال التي تعمل للملوك والأمراء منها لا يرونه البتة كأن يكون لما لا يطلعون عليه من أعمال الخدمة في قصورهم ومنها ما يرونه رؤية إجمالية مع كثير من أمثاله، وما يرونه منها يعرضه عليهم عمالهم وحجابهم، ومنها ما قد يعرضه العامل بنفسه ويقابل وجه الملك به، ولا شك أن هذا النوع من العمل هو الذي يعتني به أكمل الاعتناء ولا يفكر العامل له في وقعه عند الحجاب أو الوزراء أو غيرهم من بطانة الملك أو حاشيته لعلمه بأنه هو الذي سيعرضه عليه ويلقاه به، فيكون همه محصورا في جعله مرضيا عنده جديرا بقبوله وحسن الجزاء عليه.
ولا يغرنك ما تخيله بعض الصوفية من جعل ابتغاء ثواب الله تعالى منافيا لابتغاء مرضاته أو ابتغاء وجهه فالحق أن لا منافاة وأن الكمال في الجمع بين الأمرين، وأن العمل لأجل الذات التي يفسرون بها الوجه مع عدم قصد الرضاء ولا الثواب من النظريات التي لا يسهل إثبات إمكانها ولا مشروعيتها، ولا ينكر ما يعرض لبعض الناس من الأحوال النفسية التي تحصر تخيلهم فيها، حتى يظنوا أنها حقيقة ثابتة في نفسها، وصاحب تلك الحال لا يعرف حقيقة الذات ولا يعقل معنى كون العمل لها، نعم إن من الواقع الذي لا ينكر أن يقصد العامل بعمله النجاة من عقاب النار، أو الفوز بنعيم الجنة، وإن هذا حسن ومحمود شرعا، ولكنه دون مرتبة الكمال الذي هدى إليه القرآن وهو أن يقصد المؤمن بالعمل الصالح تزكية نفسه وتكميلها لتكون أهلا للقاء الله ومحلا لمرضاته وثوابه في دار كرامته، وأعلى الثواب رضوان الله تعالى وكمال العرفان والعلم به المعبر عنه في الأحاديث الشريفة برؤية وجهه الكريم، بلا كيف ولا تشبيه ولا تمثيل، وقد قربنا هذا المعنى العالي في باب الفتوى من المنار فيراجع فيه، ولعلنا نعود إليه في التفسير.
ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم أي ما عليك شيء ما من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي على دعائهم ولا غيره من أعمالهم الدينية- كما تدل على ذلك صلة الموصول- وإلا فظاهر تأكيد النفي عمومه، كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك على أعمالك حتى يمكن أن يترتب على هذا أو ذاك طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو في محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء وإنما يكون على عمل سيء يستوجبه ولا يثبت إلا بحساب، والمؤمنون ليسوا عبيدا للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، وإنما الرسل هداة معلمون، لا أرباب ولا مسيطرون، فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر [ الغاشية : ٢١، ٢٢ ] وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى.
والمأثور عن النصارى أن المسيح عليه السلام كان يسمى معلما وإن أتباعه في عهده كانوا يسمون تلاميذ. وأما أتباع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فقد اختار لهم كلمة الأصحاب الدالة على المساواة تواضعا، على أن من أصول شريعته الكاملة أنه صلى الله عليه وسلم مساو في أحكامها لسائر المؤمنين فيما يجب ويندب ويحل ويحرم ويباح ويكره إلا ما خصه الله تعالى به من الأحكام. ولم تكن تلك الأحكام الخاصة من قبيل ما يعهد الناس من امتياز الملوك على الرعايا من أمور الأبهة والزينة والعظمة الدنيوية والنعم بل هي أحكام شاقة لا يقوى على القيام بها غيره صلى الله عليه وسلم كوجوب قيام الليل عليه وكون ما يتركه صدقة للأمة لا إرثا لذريته، وكفالته عدة أزواج من الأرامل أكثرهن مسنات يساوي بينهن وبين عائشة الجميلة الصورة البارعة الذكاء في كل ما يملك من نفسه وذات يده ( وحكمة تعددهن قد فصلناها في تفسير آية تعدد الزوجات من أول سورة النساء ).
وقيل إن المراد هنا الحساب على الرزق والفقر إذ زعم المشركون أن أولئك الضعفاء ما آمنوا به صلى الله عليه وسلم إلا لأنهم يجدون عنده رزقا وأنهم ليسوا بصادقين في إيمانهم. فكأن الله تعالى يقول له ليس عليك من حساب رزقهم ولا عليهم من حساب رزقك شيء وإنما يرزقكم الله جميعا. وحمل الآية على هذا ضعيف وإن نقل عن ابن زيد، والأول منقول عن عطاء وعليه الجمهور، وإذا صح أن كبرا
٢ العسفاء، جمع عسيف وهو الأجير..
٣ ذهب شيخنا في أعلام الأجناس إلى أن أصلها أسماء أجناس خصص كل منها بفرد معين لسبب عرض فصار علم شخص، ثم جهل عين ذلك الفرد وصار اللفظ يطلق على كل فرد مثله كإطلاق علم الشخص، فسمي علما لاعتبار التشخص الفردي في كل استعمال له وقيل علم جنس لأنه يصح إطلاقه على كل فرد من أفراد ذلك الجنس لكن باعتبار التشخص، سمعت نحو هذا منه في طرابلس الشام وإنه قاله لسائل سأله في تونس عند رحلته الأولى إليها عن الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس. ومثال ذلك لفظ أسامة هو ليس اسما لجنس الأسد كلفظ الليث مثلا، وليس الآن اسما لأسد معين إذا مات بطل استعمال الاسم بموته إلا أطلق بوضع آخر على أسد آخر معين، بل يطلق على كل أسد معين إذا خوطب أو حكي عنه رؤيته أو نسبة فعل إليه كافتراس حيوان أو إنسان أو لعب أو صراع مما يسخر الناس له الأسود كغيرها من السباع، وكذلك غدوة إذا استعملت في أول يوم معين تعد علم جنس فتكون معرفة غير مصروفة. يقال أتيته غدوة فلم أجده- والراد غدوة النهار الذي يتكلم فيه المتكلم أو يحكي عنه إن كان ثم حكاية. (المؤلف).
.
تفسير المنار
رشيد رضا