تفسير المفردات : الطرد : الإبعاد، والغداة والغدوة كالبكرة : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والعشي : آخر النهار أو من المغرب إلى العشاء : وحسابهم : أي حساب إيمانهم وأعمالهم الباطلة. وفتنا : أي ابتلينا واختبرنا : ومن بيننا : أي من دوننا.
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين وأصول العقائد، وهي : توحيد الله عز وجل، ووظيفة الرسل عليهم السلام، والجزاء على الأعمال يوم الحساب.
وهنا ذكر وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرا و تأكيدا، وبيانا وتفصيلا.
ثم نهى رسوله أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المؤمنين المستضعفين فقال : ولا تطرد الذين يدعوا ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .
الإيضاح : ولا تطرد الذين يدعوا ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أي ولا تطرد أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي : أي أول النهار وآخره، أو المراد عامة الأوقات إذ يقال هو يفعل كذا صباحا ومساء : إذا كان مداوما عليه.
والدعاء إما الصلاة، وقد كان في أول الإسلام صلاتان إحداهما في الصباح والأخرى في المساء، وإما الأعم الشامل للدعاء الحقيقي، والصلاة والقرآن المشتملين عليه.
وقوله : يريدون وجهه : أي يدعون ربهم في هذين الوقتين مريدين بهذا الدعاء ابتغاء مرضاته تعالى : أي يتوجهون إليه وحده مخلصين له الدين، فلا يشركون معه أحدا ولا يرجون من غيره على الدعاء ثوابا. وهو كقوله : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [ الإنسان : ٩ ].
روى أحمد وابن جرير والطبراني في جماعة آخرين عن عبد الله بن مسعود قال :( مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك : فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله فيهم القرآن وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عمرو والحارث بن عامر في أشراف الكفار من بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا له : لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا : واحدهم عسيف، وهو الأجير، كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت يا رسول الله حتى تنظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم. فأنزل الله : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين .
قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة. وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا الآية. فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر فأنزل الله : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية.
والعبرة من هذا : أن أول أتباعه كانوا كأتباع من تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم من الضعفاء والفقراء، وأن أعداءه هم المترفون من الرؤساء والسادة كأعدائهم وأنهم كانوا يحتقرون السابقين إلى الإيمان ويذمونهم ويعدون أنفسهم معذورين بعدم رضاهم بمساواتهم، بل قد اقترحوا على الرسل طردهم وإبعادهم كما في هذه الآية وكما في قوله في سورة هود حاكيا قول الأشراف من قوم نوح عليه السلام : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي [ هود : ٢٧ ] وقوله لهم : وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون [ هود : ٢٩ ].
ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم أي ما عليك شيء من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، كما أنه ليس عليهم شيء من أمر حسابك على أعمالك، حتى يكون هذا أو ذاك سببا في طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو في محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء والجزاء إنما يكون على سيئ الأعمال ولا يثبت ذلك إلا بالحساب. والمؤمنون ليسوا بعبيد للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل، وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، والرسل هداة مرشدون، لا أرباب مسيطرون : فذكر إنما أنت مذكر٢١ لست عليهم بمسيطر [ الغاشية : ٢١ ٢٢ ] وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية، فأجدر بالناس ألا يكون لهم هذا الحق على أنبيائهم.
فتكون من الظالمين أي لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي فتكون بطردك إياهم في زمرة الظالمين معدودا من جنسهم، لأن الطرد لا يكون حقا إلا على الإساءة في الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها، ولست أنت بصاحب هذا الحق حتى تجري فيه على صراط العدل، فإن عملهم هو عبادة الله وحده، فحسابهم وجزاؤهم عليه كما قال نوح عليه السلام : إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون [ الشعراء : ١١٣ ].
والخلاصة : إن هذه الآية الكريمة أفادت :
( ١ ) أن الرسول لا يملك التصرف في الكون.
( ٢ ) أنه لا يعلم الغيب.
( ٣ ) أنه ليس بملك.
( ٤ ) أنه لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم.
تفسير المراغي
المراغي