إذْ هُم قابلوه ومصدقوه.
والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويَتَيقَّنُونَه، وقد أُرسل النبي عليه السلام لإنذار الخلق كافة.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ: هذا رد لقول اليهود والنصارى: نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨].
قوله: وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (بالغداة والعشي) الآية.
قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظالمين: جواب النهي، و فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي. والتقدير: وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتَطرُدهم: آخِرُ الكلامِ لأَوَّلِه، وأوسطُهُ لأِوسَطِهِ.
وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ونحوهم من الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهِؤُلاء) مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ [الأنعام: ٥٣]، أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟، اطْرُدْهم، فلعلك إنْ طَرَدْتَهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية.
وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي ﷺ جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقّروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب
فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُدِ، فإذا جئناك فَأَقْصِهِم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال نعم. فقالوا: فاكتب (لنا عليك) / بذلك كتاباً. قال: فدعا النبي ﷺ بالصحيفة ودعا عليّاً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، ثم قال له: وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام: ٥٣] الآية، ثم قال (له): وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ [الأنعام: ٥٤] الآية. فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة [الأنعام: ٥٤]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم
صفحة رقم 2033
تَرَكَنا، فأنزل الله واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم.
وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب، فاسْتَغِفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله تعالى: وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا [الأنعام: ٥٤] الآية.
وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي ﷺ الفقراء، (فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء). فعصمه الله مما أرادوا به.
وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي (هو الذي) قال للنبي: اطْردْ فلاناً وفلاناً. وإنّ ناساً من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من قولهم " أطردهم "، فأنزل الله وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ
[الأنعام: ٥٤].
ومعنى: يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي قال مجاهد: (هي) " الصلاة المفروضة: الصبح والعصر ". وقال ابن عباس: هي الصلوات المفروضة الخمس، وقاله الحسن. وكذلك قالوا كلهم في قوله: واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي [الكهف: ٢٨].
وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر. وعن ابن عمر قال: يشهدون المكتوبة.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي