ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا ابن عامر : بالغداة والعشي وقرأه ابن عامر وحده : بالغدوة والعشي يضم الغين والواو المفتوحة. وهما قراءتان صحيحتان، ولغتان فصيحتان.
وسبب نزول هذه الآية الكريمة : أن عظماء الكفار – بعض الروايات : كفار قريش، وفي بعضها : عظماء غيرهم من العرب، كالأقرع بن حابس من سادات تميم وعيينة بن حصن من سادات الفزاريين. وأشهر الروايات وأولاها بالصواب : أن الكفار الذين قالوا هكذا كفار مكة ؛ لأن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن إنما جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة، وهذا مما يؤيد الروايات الواردة بأنهم عظماء الكفار من أهل مكة – كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيجدون معه ضعفاء المسلمين الفقراء، كخباب، وعمار، وصهيب، وبلال، وما جرى مجرى ذلك. وفي بعض الروايات الثابتة أن من الذين قالوا فيه ذلك من الفقراء : سعد بن أبي وقاص وجماعة معه. قالوا للنبي : نحن كبار رؤساء العرب، وإن اتبعناك اتبعك الناس، ونحن لا نرضى أن نجالس هؤلاء الأعبد، ويؤذينا نتن جبابهم – لأنهم كانوا يلبسون جبابا من الصوف ليس لهم غيرها، فيكون فيها ريح العرق – اطرد عنا هؤلاء النتنى لنجلس معك ونكلمك. وفي بعض الروايات أنهم قالوا له : إن جئناك فأقمهم عنا حتى نقول لك ما نشاء، وإن خرجنا فإن شئت فاقعد معهم. وفي بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم هم بأن يجعل للعظماء الرؤساء مجلسا ليس فيه أولئك. وذكروا أنه دعا عليا ( رضي الله عنه )، وأخذ الصحيفة ليكتب فيها علي ؛ لأنهم قالوا له : اكتب لنا ذلك. فجاءه جبريل وأنزل الله عليه : ولا تطرد الذين يدعون ربهم ثم لما نزلت ألقى الصحيفة وامتنع من طردهم، وكان يجلس معهم، فإذا أراد القيام قام عنهم قبل أن يقوموا فأنزل الله عليه : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا [ الكهف : آية ٢٨ ] فكانوا إذا جاء وقت قيامه يقومون ليفسحوا له في القيام ؛ لأنهم يعرفون أنهم إن لم يقوموا لا يمكنه أن يقوم. هذا سبب نزول الآية.
والمعنى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم [ الأنعام : آية ٥٢ ] يعني : لأجل أن الكفار الفجرة يحبون ذلك ويرغبون فيه، كما قال له : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ الكهف : آية ٢٨ ].
ولا تطرد الذين يدعون ربهم يدعونه معناه : يعبدونه ويتضرعون إليه. وذهبت جماعة من العلماء إلى أن المراد بالدعاء هنا : الصلاة ؛ لأنها أعظم العبادات، وهي فيها دعاء. يقول المصلي فيه : اهدنا الصراط المستقيم [ الفاتحة : آية ٦ ] ثم يقول : آمين. ففيها أعظم دعاء، وقد ثبت في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : أن المسلم إذا قال : اهدنا الصراط المستقيم قال الله : " هذه لعبدي ولعبدي ما سأل ". كما بيناه مرارا.
وعلى هذا فقوله : بالغداة والعشي يعني ب ( الغداة ) : صلاة الصبح، وب ( العشي ) : صلاة العصر.
وقال بعض العلماء : الآية أعم من الصلاة. وهو الظاهر ؛ لأنهم يدعون الله ويعبدونه بأنواع العبادات من صلاة وغيرها، أول النهار وآخره.
وفي تخصيص الغداة والعشي للعلماء أوجه :
أحدهما : أن العرب إذا أرادت الدوام أطلقت الليل والنهار، والغداة والعشي. يعنون أنهم دائمون على ذلك.
القول الثاني : أن أول النهار وآخره من أفضل الأوقات التي تنتهز فيها فرصة العبادات. ***
وقوله : يريدون وجهه إذا جاء في القرآن العظيم يريدون وجهه معناه : أن ذلك العمل بإخلاص لله ( جل وعلا )، ليس فيه رياء ولا سمعة، ولا طلب غرض من أغراض الدنيا.
وصفة ( الوجه ) صفة من صفات الله ( جل وعلا ) أثبتها لنفسه، وأثنى على هذه الصفة ثناء خالصا لم يثن به على صفة غيرها حيث قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ الرحمان : آية ٢٧ ].
ونحن في هذه الدروس القرآنية مرارا نقول لكم : إن الطريق السليمة – التي إن متم عليها ولقيتم الله عليها في هذا المأزق الذي ضل فيه الآلاف [ فإنكم تلقون ربكم بعقيدة صحيحة في هذا الباب ] – أنها مركزة على ثلاثة أسس، كل واحد منها في ضوء القرآن العظيم بغاية الوضوح، من لقي الله على اعتقاد هذه الأسس الثلاثة لقيه سالما، ومن أخل بواحد منها دخل في مهواة، قد لا يتخلص منها.
أول هذه الأسس الثلاثة هو – أيها الإخوان – أن تلزموا قلوبكم بالطهارة من أقذار التشبيه، وتنزهوا خالق الكون ( جل وعلا ) عن أن يشبه شيء من خلقه في صفة من صفاته، كائنة ما كانت، ومن الخلق حتى يشبهوا خالق السماوات والأرض ؟ كيف يشبهونه وهم أثر من آثار قدرته وإرادته ؟ فالأثر لا يشابه مخترعه.
وهذا الأصل هو الأساس الأكبر في معرفة الله، والحجر الأساسي لصلة العبد بربه صلة صحيحة على أساس صحيح، وهو تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق. وهذا أساس منصوص في قوله : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] ولم يكن له كفوا أحد [ الإخلاص : آية ٤ ] فلا تضربوا لله الأمثال [ النحل : آية ٧٤ ] لأنه لا مثيل له ولا شبيه.
وهذا الأصل هو الأصل الأعظم في التوحيد، وهو أساس الصلة الصحيحة بين العبد وربه، فمن حقق هذا الأصل قرب من الخير، ومن لم يحقق هذا الأصل جره إلى تشبيهات وإلى معاني لا خلاص منها. فإذا حقق العبد هذا الأصل، وألزم قلبه بأن يعلم أن خالق السماوات والأرض أعظم وأكبر وأنزه من أن يشبهه شيء من خلقه بأي صفة من صفاتهم [ فإنه يكون قد طهر قلبه من دنس التعطيل وأقذار التشبيه ].
والأساس الثاني : هو أن يصدق الله بما وصف به نفسه، ويصدق رسوله بما وصف به ربه، تصديقا مبنيا على أساس ذلك التنزيه، على غرار ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : آية ١١ ] فلا يتنطع بين يدي الله، وينفي عن الله وصفا مدح الله به نفسه، أو مدحه به من قال في حقه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : الآيتان ٣ ٤ ] إذ لا يصف الله أعلم بالله من الله ءأنتم أعلم أم الله [ البقرة : آية ١٤٠ ] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الأصل الثاني علمناه خالق الكون ( جل وعلا ) تعليما سماويا أعظم، لا يقع في الحق بعده لبس، وذلك قوله جل وعلا : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء فإتيانه بقوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء فيه سر أعظم، ومغزى أكبر، وتعليم خالق السماوات والأرض، وإيضاحه لهذه العقائد إيضاحا كالشمس.
والمعنى : لا تتنطع يا عبدي، يا مسكين، اعرف قدرك، ولا تنف عني صفة سمعي وبصري مدعيا أنك إن أثبت لي سمعي وبصري شبهتني بالحيوانات التي تسمع وتبصر، لا، ما هكذا الأمر. المعنى : أثبت لي سمعي وبصري، وراع في ذلك الإثبات قولي قبله مقترنا به : ليس كمثله شيء فأول الآية تنزيه كامل من غير تعطيل، وآخرها إيمان بالصفات إيمانا تاما من غير تشبيه ولا تمثيل، فعلينا أن ننزه خالقنا ( جل وعلا ) بقوله : ليس كمثله شيء وأن نثبت له ما أثبت لنفسه، ولا نقول إذا أثبتناه : كنا مشبهين ؛ لأن الحيوانات تتصف بهذا ! ! ولأجل هذا وصف نفسه بالسمع والبصر، مع أنهما من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فكل الحيوانات تسمع وتبصر ؛ ولذا وصف نفسه بالسمع والبصر بعد ليس كمثله شيء يعني : لا تنف عني سمعي وبصري بدعوى أنك إن أثبتهما كنت مشبها لي بالحيوانات التي تسمع وتبصر، لا. أثبت لي صفة سمعي وبصري إثباتا مراعى فيه قولي قبله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ولأجل هذه الحكمة قال : وهو السميع البصير .
فأول هذين الأصلين – الذي هو الأساس الأكبر للتوحيد والصلة بالله صلة صحيحة : تنزيه خالق السماوات والأرض عن أن يشبه شيئا من خلقه بأي شيء من صفاتهم.
الأساس الثاني : هو أن لا تتنطع – أيها المسكين – وتنفي عن الله وصفا مدح به نفسه، أو أثنى عليه به رسوله، بل أثبت له هذا الوصف مراعيا في ذلك أنه ( جل وعلا ) ليس كمثله شيء، كما قال : وهو السميع البصير بعد : ليس كمثله شيء .
فعلينا أن ننزه الله عن مشابهة الخلق، وعلينا أن نصدق الله بما وصف به نفسه، ونصدق رسوله بما وصف به ربه، ولا يخطر في عقولنا التشبيه بصفات المخلوقين. ومن المخلوقين حتى تشبه صفات خالقهم ؟ أليسوا أثرا من أثار قدرته وإرادته ؟ وكيف تشبه الصنعة صانعها ؟
ولو تنطع متنطع وقال : نحن ما عرفنا صفة سمع ولا بصر منزهة عن صفة الخلق، وما علمنا صفة وجه منزهة عن صفات الخلق، وما علمنا كيفية صفة استواء منزهة عن استواءات الخلق، فبينوا لنا كيفية هذه الصفات حتى نعقل كيفية منزهة نعتقدها.
فنقول في هذا : قال مالك بن أنس : السؤال عن هذا بدعة. ولكن نتنزل معه ونقول : أيها المتنطع : هل عرفت كيفية الذات الكريمة المقدسة المتصفة بهذه الصفة ؟ فلا بد أن يقول : لا، فنقول : معرفة كيفية الاتصاف بهذه الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات.
هذان أصلان :
الأول منهما : تنزيه خالق السماوات عن أن يشبه شيئا من خلقه.
الثاني : تصديقه فيما وصف به نفسه، وعدم تكذيبه، وتصديق رسوله بما وصف به ربه تصديقا مبنيا على أساس التنزيه، على نحو : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : آية ١١ ] فأول الآية تنزيه من غير تعطيل، وآخرها إثبات للصفات من غير تشبيه ولا تمثيل، وإن كانت الحيوانات تسمع وتبصر.
الأصل الثالث : هو أن نقطع طمعنا عن إدراك كيفية صفات الله ( جل وعلا ). والله قد نص على عجز الخلق عن الإحاطة بإدراك كيفياته. أشار إلى ذلك في السورة الكريمة – سورة طه حيث قال : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [ طه : آية ١١٠ ].
هذه الأصول الثلاثة :
الأول : تنزيه الله.
الثاني : الإقرار بصفات الله مبنيا على أساس التنزيه على غرار ليس كمثله شيء .
الثالث : قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
وأنا أؤكد لكم – أيها الإخوان – أنا جميعا سننتقل من هذه الدار إلى القبور، وننتقل سريعا من القبور إلى عرصات القيامة. ولا شك أننا هناك نناقش عن كل ما قدمنا، وما أسلفنا من خير أو
شر، ومما يسألنا الله عنه : هل ما مدحت به نفسي وأثنيت به على [ نفسي ]( في هذين الموضعين انقطع الصوت في التسجيل. وقد استدركت النقص من المواضع التي تكلم فيها الشيخ ( رحمه الله ) على هذه المسألة بنحو هذا الكلام، كما في محاضرة الصفات ص ٤٤ – ٤٥، ومن كلامه في هذا التفسير كما في الأنعام عند الآيتين ( ١٠٣، ١٥٨ )، الأعراف ( ٥٤، ٩٩، ١٤٤ )، التوبة ( ٢١ ) ) أو أثبته لي [ رسولي يعد تشبيها ؟ لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد، أترون الله يوم القيامة يقول لكم : لم نزهتموني عن مشابهة الخلق ؟ ويلومكم على ذلك ؟ لا وكلا، والله لا يلومكم على ذلك. أترون يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته، وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه، ويقول لكم : لم آمنتم بما أثبت لنفسي... ] ولا بم قد نص رسولي صلى الله عليه وسلم فيما أثنى به علي، تصديقا مبنيا على أساس التنزيه. لا وكلا، أبدا، فهو طريق سلامة محققة، ولا يقول له : لم لا تدعي أن عقلك المسكين القصير محيط بكيفيات صفاتي ؟
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير