فلما جن أي أظلم عليه الليل رأى قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان هذا وشبهه من لفظه إذا لم يأت بعد الياء ساكن بإمالة فتحته الراء والهمزة جميعا كوكبا أي الزهرة أو المشتري قال إلزاما للكفار فإنهم كانوا يعبدون الأصنام والكواكب ويعظمونها ويرون أن الأمور كلها إليها، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال فقال : هذا ربي في زعمكم أو بحذف همزة الاستفهام يعني هذا ربي أو قال : على سبيل الفرض فإن المستدل على فساد قوله يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يرجع عليه بالإبطال، وأجرى بعضهم على ظاهره فقال : كان إبراهيم عليه السلام حينئذ مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حالة الاستدلال، قال : البغوي : وكان ذلك في حالة طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرا، وقال : البيضاوي إنما قال : ذلك زمان مراهقته أو أول أوان بلوغه، وفي شرح خلاصة السير لمولانا أبي بكر أن استدلاله بالكوكب والقمر كان وهو ابن خمسة عشر شهرا، والصحيح هو القول الأول إذا لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره آتاه رشده من قبل، قال : في الشفاء : قال الله تعالى ولقد آتيناه إبراهيم رشده من قبل ١أي هديناه صغيرا قاله مجاهد وغيره، وقال : ابن عطاء : اصطفاه قبل بدء خلقه، وقال : بعضهم لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله إليه ملكا يأمره عن الله تعالى أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال : قد فعلت ولم يقل افعل فذلك رشده، وفي هذه الآية عطف قوله تعالى إني أراك وقومك في ضلال مبين وعلى تقدير كون هذا الكلام على طريقة الاستدلال الفاء للتفسير والتفصيل لقوله تعالى كذلك نري إبراهيم وعلى هذا التقدير لا بد أن يكون هذا الكلام أول ليلة رأى الكوكب من زمان عقله وشعوره بحيث لم ير قبل ذلك قط وأساسا لهذا المفاد يذكرون قصة. وذلك أن إبراهيم عليه السلام ولد في زمن نمرود بن كنعان وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون فقالوا : له إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام، وقال : السدي رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة فيكون هلاكك وأهل بيتك وزوال ملكك على يديه، قالوا فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشر رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينهما وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال محمد بن إسحاق : بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرينه فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام لأنها كانت جارية حديثة السن لم يعرف الحبل في بطنها، وقال : السدي : خرج نمرود بالرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود أن يكون فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر فبعث إليه ودعاه وقال : إن لي حاجة أحب أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنوا من أهلك، فقال : آزر أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال : لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها فحملت بإبراهيم عليه السلام، وقال ابن عباس : لما حملت أم إبراهيم قال : الكهان لنمرود إن الغلام الذي قد أخبرناك به قد حملت أمه الليلة فأمر نمرود بقتل الغلمان فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في حلفاء فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا، فانطلقت أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال : محمد بن إسحاق : لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها، فولدت فيها إبراهيم فأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظره ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه، قال : أبو روق قالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء ومن أصبع لبنا ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا ومن أصبع سمنا وقال محمد ابن إسحاق : كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت : قد ولدت غلاما فمات فصدقها وسكت عنها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه : أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر فتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال : إن الذي خلقني وأطعمني وسقاني لربي الذي مالي إله غيره ثم نظر في السماء فرأى كوكبا قال : هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال : لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغا قال : هذا ربي ثم أتبعه بصره حتى غاب ثم طلع الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك فأخبره أنه ابنه وأخبرته أمه أنه ابنه وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر آزر بذلك وفرح فرحا شديدا، وقيل : أنه كان في السرب سبع سنين وقيل : ثلاث عشرة سنة وقيل : سبع عشرة سنة. قلت : وهذه القصة إن صحت فإلى هنالك لا تدل على كفر أبوي إبراهيم إلا تسمية أبي إبراهيم بآزر ثابت بالكتاب والسنة، والظاهر أن تسمية أبي إبراهيم في هذه القصة بآزر وهم من بعض الرواة، لكن قال : بعضهم في القصة أنه لما شب إبراهيم عليه السلام وهو في السرب، قال : لأمه من ربي ؟ قالت : أنا، قال : فمن ربك ؟ قالت : أبوك، قال : فمن رب أبي ؟قالت : نمرود، قال : فمن ربه ؟ قالت : أسكت فسكت ثم رجعت إلى زوجها فقالت : أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض ؟ فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال : فأتاه أبوه فقال : له إبراهيم : يا أبتاه من ربي ؟ قال : أمك قال ؟ فمن رب أمي ؟ قال : أنا، قال : فمن ربك ؟ قال : نمرود، قال : فمن رب نمرود ؟ فلطمه لطمة وقال له : أسكت، فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا قال : هذا ربي، ويقال إنه قال : لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس فنظر إبراهيم على الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذا فقال : إبل وخيل وغنم قال : ما لهذه بد من أن يكون لهارب وخالق، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ويقال الزهرة فكان تلك الليلة من آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي وهذه القصة تدل على كفر أبوي إبراهيم عليه السلام لكن لا يدل على موتها على الكفر وأيضا هذه القصة مع اختلافها واضطرابها وعدم ثبوتها بسند صحيح لا يقوى معارضة ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن آبائه كلهم من آدم عليه السلام إلى أبويه كانوا مؤمنين وأنه انتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ومن أرحام الطاهرات إلى أصلاب الطاهرين وعليه حمل قوله تعالى وتقلبك في الساجدين( ٢١٩ ) ٢وإطلاق الأب على العم شائع لاسيما إذا رباه ولعل تارخ مات وترك إبراهيم في بطن أمه أو وليدا رضيعا ورباه عمه آزر والله أعلم فلما أفل يعني غاب الكوكب قال لا أحب الآفلين أي لا أحب عبادة المتغيرين عن حال إلى حال لأن التغير أمارة الحدوث إذ القديم لا يكون محلا للحوادث والحدوث ينافي الألوهية
٢ سورة الشعراء، الآية: ٢١٩..
التفسير المظهري
المظهري