ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

فلما جن عليه الليل رءا كوكبا العرب تقول : " جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل، وأجنه الليل ". فإذا قالت : " أجن " رباعية كان قولها : " أجنه الليل " أفصح من " أجن عليه الليل ". وإذا قالت : " جن عليه الليل "، فهو أفصح من " جنه الليل "، والكل معروف في لغة العرب. ومن تعدية ( جن ) – ثلاثية – قول الهذلي :
وأصل مادة ( الجيم، والنون، والنون ) ( جنن ) أصل هذه المادة في جميع تصرفاتها معناها : الاستتار والتغطية، ومنه ( الجنة ) وهم – مثلا – إبليس وجنده ؛ لأنا لا نراهم. ومنه :( الجنين ) ؛ لأنه في بطن أمه، ومنه :( الجنة ) للدرقة ؛ لأنها تستر صاحبها وتغطيه عن السهام، ومنه :( جنان الليل ). أي : ظلامه وادلهمامه. وهذا معروف، كما قال الشاعر دريد بن الصمة :

ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشب
هذا أصل المادة، ومعنى جن عليه الليل أظلم عليه الليل، وأرخى سدوله، حتى غطى الأجرام بسواده ؛ لأنه عند ذلك الوقت تظهر الكواكب نيرة ؛ لأنه قبل ادلهمام الليل وظلامه لم تنر الكواكب. فلما جن عليه الليل أظلم وادلهم وغطى الأجرام بظلامه.
رءا كوكبا رءا معناه : أبصر بعينه كوكبا والكوكب : النجم الكبير، وعلماء التفسير يقولون : إن ذلك الكوكب الذي رآه هو الكوكب المسمى بالزهرة. وهو من الإسرائيليات، وغاية ما دل عليه القرآن أنه رأى نجما كبيرا، وهو مراده بقوله : كوكبا ، وكان أبوه وقومه يعبدون معبودات أرضية ومعبودات سماوية، منها الكواكب السبعة.
قال : هذا ربي ، قول إبراهيم : هذا ربي في رؤيته للكوكب، ورؤيته للقمر، ورؤيته للشمس، أصله فيه بحث معروف للعلماء، غلط جماعة في هذا المقام من العلماء، منهم العالم الكبير ابن جرير الطبري، فزعم أن إبراهيم قال هذا ناظرا لا مناظرا، وأنه قال هذا قبل أن يتيقن الدليل، يظن أن الكوكب ربه. هذا قاله ونقله عن ابن عباس، واستدل عليه بقوله : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [ الأنعام : آية ٧٧ ] قال : فقوله : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين هذا يدل على أنه قال هذا قبل أن يتيقن الحقيقة، وقبل أن يتم له النظر، فبعد أن تم نظره وعلم الحق، قال : إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا [ الأنعام : الآيتان ٧٨، ٧٩ ].
والتحقيق بدلالة القرآن والسنة : أن هذا القول لهذه الطائفة من العلماء، منهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري، ورواه عن ابن عباس، أن هذا القول غلط لا شك فيه، وأن إبراهيم لم يظن يوما في ربوبية كوكب، ولم يشك يوما واحدا في ربوبية الله، هذا التحقيق الواجب اعتماده، الذي دل عليه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أما القرآن : فقد دل على هذا في مواضع كثيرة :
منها : أنه أولا قال رافعا لهذا الاحتمال : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [ الأنعام : آية ٧٥ ] فلما أثبت له اليقين قال بعد ذلك مرتبا عليه بالفاء : فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي [ الأنعام : آية ٧٦ ].
والثانية : أن الله ذكر أنه قال هذا في سبيل المناظرة والمحاجة، لا في سبيل النظر بنفسه، حيث قال : وحاجه قومه [ الأنعام : آية ٨٠ ]، وقال : وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم [ الأنعام : آية ٨٣ ] ومن أصرح الأدلة في هذا : أن الله نفى عن إبراهيم كون الشرك في ماضي الزمن مطلقا، حيث قال في آيات كثيرة من كتابه : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [ النحل : آية ١٢٣ ] ونفي الكون الماضي يستغرق الكون في جميع الزمن كائنا ما كان، وكذلك قوله : ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين [ آل عمران : آية ٦٧ ] هذا جاء في آيات كثيرة، ونفي الإشراك عنه في الكون الماضي يدل بدلالة القرآن – دلالة المطابقة – على أنه لم يتقدم له كون إشراك ألبتة. والله يقول : ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين [ الأنبياء : آية ٥١ ] فعلم الله به وبصلاحه يدل على ذلك، هذا هو الحق الذي لا شك فيه.
ولطالب العلم أن يقول : قررتم لنا أن إبراهيم لا يعتقد ربوبية الكوكب، وأن القرآن دل على ذلك، ومن السنة الصحيحة الدالة عليه : ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنين منها في ذات الله.. " الحديث.
وهذا حديث صحيح متفق عليه، وهذه الكذبات الثلاث التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنها في الصورة كصورة الكذب، وهي في نفس الأمر ليست من حقيقة الكذب، بدليل أنه قال : " اثنين منها في ذات الله " وكيف يكون الكذب في ذات الله ؟ فالذي يأتي في ذات الله هو أحق الحق، وأصدق الصدق.
والكذبات الثلاث التي يعنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه :
أحدهما : قوله لقومه لما أرادوا أن يخرج معهم إلى عيدهم، وهو يريد أن يتخلف عنهم ليتسنى له تكسير الأصنام : فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى ءالهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين [ الصافات : الآيات ٨٨ ٩٣ ] فقوله : إني سقيم – وهو صحيح – قال بعض العلماء : يريد أني سقيم عليكم، سقيم القلب لخساسة عقولكم، وأنكم تعبدون مع الله جمادات، وأنكم ذاهبون بفعلكم إلى النار. أو : إني سقيم في المستقبل ؛ لأن الإنسان لا بد أن يمرض فيأتيه الموت. وفي المعاريض منادح كثيرة عن الكذب.
الثانية : هي قوله : بل فعله كبيرهم هذا [ الأنبياء : آية ٦٣ ] وبعض العلماء يقول : إنه قال بل فعله كبيرهم هذا قصده ليلجئهم إلى الإقرار ؛ لأن كبيرهم لا يفعل، وأنه جماد لا يفعل شيئا، فكأنه يعرض ويقول : أنتم تعبدون ما لا ينفع ولا يضر، إلى غير ذلك من الأجوبة.
أما الثالثة : فهي أنه لما هاجر من بلاد قومه، لما أنجاه الله من النار، مر على ذلك الجبار، في القصة المشهورة الثابت في الصحيحين، وكانت امرأته – سارة – من أجمل النساء، فعلم بها ذاك الجبار فطلبها، ولما قال له : ما هي منك ؟ قال : هي أختي. ولم يقل : هي زوجتي. خوف أن يغار عليه فيلحقه منه بأس، وجاءها وقال لها : يا سارة، إني قلت لهذا الجبار : إنك أختي، وأنت أختي في الدين، ليس هنا من يدين بدين الإسلام إلا أنا وأنت، فأنت أختي في الإسلام، فلا تكذبيني. في القصة المشهورة الثابت في الصحيح فلما أدخلت عليه، وأراد أن يتناولها بسوء أخذ، فقال لها : ادعي الله لي ولا أعود، فدعت له فبرىء، فهم أن يعود فأخذ أشد من الأول، فقال لخدمه : ما أتيتموني بإنسان، وإنما أتيتموني بشيطان ! ! وأخدمها هاجر التي أعطتها لإبراهيم، فتسراها وكانت أم إسماعيل. ويذكرون في التاريخ – وقد دل عليه بعض الأحاديث أن هاجر أصلها بنت ملك القبط – ملك مصر – أخذها منه هذا الملك الجبار.
هذه الثلاث محل الشاهد من هذا الحديث الصحيح : أن إبراهيم لو كان معناه أن الكوكب رب، وأن القمر رب، وأن الشمس رب، لكان هذا أعظم فرية، وأعظم كذب. فلم يقل النبي : إنه لم يكذب إلا هذه الكذبات، وإن كانت في نفس الأمر ليست بكذبات، إلا أن صورتها كأنها صورة الكذب، وهي في الحقيقة بعيدة من الكذب، لطالب العلم أن يقول : قد قررتم لنا أن قول إبراهيم : هذا ربي في الكوكب، وفي القمر، وفي الشمس، ليس يظن أن الكوكب رب، ولا يشك في ذلك، ولكن إذا فما معنى قوله : هذا ربي ؟ وأين نصرف هذا اللفظ عن الاعتراف بربوبية الكوكب، والقمر، والشمس ؟ ؟
الجواب : أن العلماء خرجوا هذا على وجهين، كلاهما قد يغني عن الآخر :
الأول : الذي عليه الجمهور : أن المناظر إذا أراد أن يفحم خصمه سلم له مقدمة تسليما جدليا ليمكنه أن يفحمه ؛ لأنه إذا نفى المقدمة لا يمكن أن يفحمه. فالمعروف في فنون الجدل : أنه لا بد للخصمين من أن يتفقا على قاعدة، وإن اختلفا من الأول لا يمكن أن يفحمه. وعليه فالمعنى : هذا ربي على التسليم الجدلي، وفي زعمكم الكافر الفاسد كما قال الله جل وعلا : أين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم [ النحل : آية ٢٧ ] فنسب إلى نفسه الشركاء أين شركاءي وليس له شريك ( جل وعلا ) ليقرعهم، ويوبخهم، كأنه يقول : هذا ربي على التسليم الجدلي والتنزل، وفرض المحال، وتسليم المحال، على قولكم الكاذب الفاسد، فكيف يكون الرب هو يأفل ويسقط ؟ فمقصوده بهذا ليفحمهم، فلو قال لهم عند أول وهلة : الكوكب مخلوق مسخر، لا يمكن أن يكون ربا. لقالوا له : أنت كذاب، الكوكب رب لا محالة. فلما تنزل معهم، وسلم لهم الكذب والمحال، أمكنه أن يفحمهم، وعلى هذا فمعنى قوله : هذا ربي أي : في زعمكم الكافر الفاسد. فمن أين يكون الرب وهو يأفل ؟ أي يسقط.
الوجه الثاني : هو ما قاله بعض العلماء : من أن المقرر في علوم العربية أن الجملة إذا صدرت بهمزة استفهام أو همزة تسوية، وكان المقام يدل عليها، أن حذفها جائز، وعليه فالمعنى : أهذا ربي ؟ ! إنكارا لهم. وحذف همزة الاستفهام. قالوا : وحذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليه، ذهب غير واحد من علماء العربية إلى أنه جائز، وقال باطراده جماعة من النحويين، منهم : الأخفش، واعتمده ابن مالك في شرح الكافية، وقال به غير واحد.
وإذا نظرت كلام العرب وجدته كثيرا فيه، فائضا فيه، كثرة تعرف منها أنه جائز.
وهو يوجد في كلام العرب على ثلاثة أنحاء – أعني حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها : يوجد بدون ( أم )، وبدون ذكر الجواب، ويوجد بدون ( أم ) مع ذكر الجواب. وهو مع ( أم ) كثير مطرد شائع.
فمثال وجوده دون ( أم ) ودون ذكر الجواب : قول أبي خراش الهذلي – واسمه خويلد :
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع*** فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
يعني : أهم هم ؟ فحذف همزة الاستفهام، ومن هذا المعنى قول الكميت :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب***ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ؟
يعني : أوذو الشيب يلعب ؟ ! فحذف همزة الاستفهام.
ومنه دون ( أم ) مع ذكر الجواب على التحقيق : قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :ثم قالوا :
أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب
تحبها ؟ قلت بهرا عدد النجم والحصى والتراب
فقوله : " تحبها "، يعني : أتحبها ؟ ؟ وإتيانه مع ( أم ) لا تكاد تحصيه في كلام العرب وأشعارهم، فمن حذف همزة الاستفهام قبل ( أم ) قول عمر بن أبي ربيعة :
بدا لي منها معصم يوم جمرت وكف خصيب زينت ببنان
فوالله ما أدري وإني لحاسب بسبع رميت الجمر أم بثمان
يعني : أبسبع أم بثمان.
ومنه بهذا المعنى قول الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط*** غلس الظلام من الرباب خيالا
يعني : أكذبتك، بحذف الهمزة. كما جوزه سيبويه في كتابه خلافا للخيل. ومنه بهذا المعنى قول الأسود بن يغفر التميمي :
فوالله ما أدري وإن كنت داريا*** شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
يعني : أشعيث بن سهم ؟ ومنه بهذا المعنى قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري المشهور :
وما تدري إن ذمرت سبقا لغيرك أم يكون لك الفصيل
يعني : ألغيرك.
وقول الخنساء الشاعرة :
قذى بعينيك أم بالعين عوار***

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير