ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

فلما جن عليه الليل على الأول وهو الحق المبين عطفٌ على قال إبراهيم دجاخل تحت ما أُمر بذكره بالأمرِ بذكرِ وقتِه وما بينهما اعتراض مقررلما سبق وما لحِق فإن تعريفَه عليه السلام ربوبيتَه ومالكيتَه للسمواتِ والأرض وما فيهما وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقِراً إليه في الوجود وسائرِ ما يترتبُ عليه من الكمالات وكونَه من الراسخين في معرفة شئونه تعالى الواصلين إلى ذُروة عينِ اليقين مما يقضي بأن يَحكُم عليه السلام باستحالة إلهية ما سواه

صفحة رقم 152

الأنعام آية ٧٧ ٧٨
سبحانه من الأصنام والكواكب وعلى الثاني هو تفصيلٌ لما ذُكر من إراء ملكوتِ السموات والأرض وبيانٌ لكيفية استدلالِه عليه السلام ووصولِه إلى رتبة الإيقان ومعنى جبن عليه الليل ستره بظلامهوقوله تعالى رَأَى كَوْكَباً جوابُ لمّا فإن رؤيتَه إنما تتحقق بزوال نورِ الشمس عن الحسّ وهذا صريحٌ في أنه لم يكن في ابتداءِ الطلوع بل كان غَيبتُه عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيقُ أنه كان قريباً من الغروب كما ستعرفه قيل كان ذلك الكوكبُ هو الزُّهُرَة وقيل هو المشتري وقوله تعالى قَالَ هذا ربي اسئناف مبني على سؤال نشأ من الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بيان إراءتِه عليه السلام ملكوتَ السمواتِ والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ماظهر منه عليه السَّلام من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها كأنه قيل فماذا صنعَ عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الوضْع والفرضِ هذا ربي مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بيان استحالةِ ربوبيةِ الكواكب دون بيانِ استحالةِ إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بُطلاناً واستحالةً من الأول فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد ولجُّوا في طُغيانهم يعمهونوقيل قال عليه السلام على وجه النظر والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما وعطف قوله تعالى لكون على ما ذكر من العلة المقدرة وجَعْلِ قوله تعالى فَلَمَّا جَنَّ الخ تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبياناً لكيفية الاستدلال وأنت خبير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل وجلالةِ منصِبِ الخليل عليه الصلاة والسلام فَلَمَّا أَفَلَ أي غرٍب قَالَ لا أُحِبُّ الافلين أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغير من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية

صفحة رقم 153

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية