*وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ٧٤ وكذالك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ٧٥ فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ٧٦ فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ٧٧ فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون ٧٨ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين٧٩
بدأ الله سبحانه هذه السورة بعد حمد نفسه ببيان أصول الدين ومحاجة المشركين فبين استحقاقه للعبادة وحده وإشراكهم به وتكذيبهم بالآيات التي أيد بها رسوله ورد ما لهم من الشبهة على الرسالة ثم لقن رسوله طوائف من الآيات البينات في إثبات التوحيد والرسالة والبعث مبدوءة بقوله : قل. قل ثم أمره في هذه الآيات بالتذكير بدعوة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلى مثل ما دعا إليه من التوحيد وتضليل عبدة الأصنام وما أراه الله من ملكوت السماوات والأرض وما استنبطه هو منه من آيات التوحيد وبطلان الشرك وإقامة الحجة على أهله، تأييدا لمصداق دعوته في سلالة ولده إسماعيل، عليهم الصلاة والتسليم. ولإبراهيم المكانة العليا من إجلال الأمة العربية كما أن اليهود والنصارى متفقون على إجلاله. وإننا نقدم لتفسير الآيات مقدمة في أصل إبراهيم ومسألة كفر أبيه آزر وحكمة الله تعالى فيما قصه عنه فنقول :
مقدمة في أصل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومسألة كفر أبيه
إبراهيم : هو الاسم العلم لخليل الرحمان أبي الأنبياء الأكبر من بعد نوح عليهم الصلاة والسلام، ويؤخذ من سفر التكوين – وهو السفر الأول من أسفار العهد العتيق – أنه العاشر من أولاد سام بن نوح وأنه ولد في ( أور الكلدانيين ) : وهي بلدة من بلاد الكلدان. و( أور ) بضم الهمزة وسكون الواو ومعناها في الكلدانية النور أو النار كما قالوا، قيل هي البلدة المعروفة الآن باسم ( أورفا ) في ولاية حلب كما رجح بعض المؤرخين وقيل غيرها من البلاد الواقعة في جزيرة العراق بين النهرين وفي أقطار العالم القديم بلاد ومواقع كثيرة مبدوءة أسماؤها بكلمة ( أور ) واقعة مع ما بعدها موقع المضاف من المضاف إليه، وأشهرها ( أورشليم ) لمدينة القدس قالوا إن معناها ملك السلام أو إرث السلام فشليم بالعبرية هي السلام بالعربية. وفي بعض التواريخ العربية أنه من قرية اسمها ( كوثى ) من سواد الكوفة. وكان اسم إبراهيم ( أبرام ) بفتح الهمزة وقالوا إن معناه ( أبو العلاء ) فهو مركب من كلمة أب العربية السامية مضافة إلى ما بعدها.
وفي سفر التكوين أن الله تعالى ظهر له في سن التاسعة والتسعين من عمره وكلمه وجدد عهده له بأن يكثر نسله ويعطيه أرض كنعان ( فلسطين ) ملكا أبديا وسماه لذريته ( إبراهيم ) بدل ( أبرام ) وقالوا إن معنى إبراهيم ( أبو الجمهور ) العظيم أي أبو الأمة. وهو بمعنى تبشير الله تعالى إياه بتكثير نسله من إسماعيل ومن إسحاق عليهم الصلاة والسلام، ولا ينافي ذلك كسر همزته فقد علم أن أصلها الفتح وأن إب المكسورة في إبراهيم هي أب المفتوحة في أبرام. فالجزء الأول منه عربي والثاني كلداني أو من لغة أخرى من فروع السامية أخوات العربية التي هي أعظمها وأوسعها حتى جعلها بعض علماء اللغات هي الأصل والأم لسائر تلك الفروع السامية كالعبرية والسريانية. وذكر رواة العربية في هذا الاسم سبع لغات عن العرب وهي إبراهيم وأبراهام وأبراهوم وأبراهم مثلثة الهاء وأبرهم بفتح الهاء بلا ألف. وصرح بعضهم بأنه سرياني الأصل ثم نقل وبعضهم بأن معناه أب راحم أو رحيم، وعلى هذا يكون جزآه عربيين بقلب حائه كما يقلبها جميع الأعاجم الذين لا ينطقون بالحاء المهملة كالإفرنج وتركيبه مزجي. وفي القاموس المحيط كغيره ( أن تصغيره بريه أو أبيره وبريهيم ) قال شارحه عند الأول : قال شيخنا وكأنهم جعلوه عربيا وتصرفوا فيه بالتصغير وإلا فالأعجمية لا يدخلها شيء من التصرف بالكلية.
وقد ثبت عند علماء العاديات والآثار القديمة أن عرب الجزيرة قد استعمروا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر وغلبت لغتهم فيهما، وصرح بعضهم بأن الملك حمورابي الذي كان معاصرا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام عربي. وحمورابي هذا هو ملكي صادق ملك البر والسلام ووصف في العهد العتيق بأنه كاهن الله العلي وذكر فيه أنه بارك إبراهيم وأن إبراهيم أعطاه العشر من كل شيء. ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي إن إبراهيم أسكن ابنه إسماعيل مع أمه هاجر المصرية عليهم السلام في الوادي الذي بنيت فيه مكة بعد ذلك وأن الله تعالى سخر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما هنالك وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يزورهما وأنه هو وولده إسماعيل بنيا بيت الله المحرم ونشرا دين الإسلام ؛ في البلاد العربية.
فيظهر من ذلك أن العربية القديمة هي لغة إبراهيم وهاجر ولغة حمورابي وقومه ولغة قدماء المصريين أو اللغة الغالية في ذينك القطرين، وأنها على ما كان فيها من الدخليل الكلداني والمصري كانت قريبة جدا من العربية الجرهمية ولذلك كان الذين ساكنوا هاجر من جرهم يفهمون منها وتفهم منهم. وقد ثبت في صحيح البخاري أن إبراهيم زار إسماعيل مرة فلم يجده وتكلم مع امرأته الجرهمية ولم تعجبه ثم زاره مرة أخرى فلم يجده وكانت عنده امرأة أخرى فتكلم معها فأعجبته. وقد ورد أيضا أن لغة إسماعيل كانت أفصح من لغة جرهم فهي أم اللغة المصرية التي فاقت بفصاحتها وبلاغتها سائر اللغات أو اللهجات العربية، ثم ارتقت في عهد قريش من ذريته بما كانوا يقيمونه لها من أسواق المفاخرة في موسم الحج، ثم كملت بلاغتها وفصاحتها بنزول القرآن المجيد المعجز للخلق بها.
وأما أبو إبراهيم فقد سماه الله تعالى في الآية الأولى من هذه الآيات ( آزر ) وفي سفر التكوين أن اسمه ( تارح ) بفتح التاء وحاء مهملة وقالوا إن معناه ( متكاسل ) ومن الغريب أن نرى أكثر المفسرين والمؤرخين واللغويين منا يقولون إن اسمه تارخ بالخاء المعجمة أو المهملة وإن آزر لقبه أو اسم أخيه أو أبيه أو صنمه، ونقل عن الزجاج والفراء أنه ليس بين النسابين والمؤرخين اختلاف في كون اسمه تارخ أو تارح. ولا نعرف لهذه الأقوال أصلا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا منقولا على العرب الأولين، وإنما هو منقول فيما يظهر عمن دخل في الإسلام من أهل الكتاب كوهب بن منبه وكعب الأحبار اللذين أدخلا على المسلمين كثيرا من الإسرائيليات – فتلقوها بالقبول على علاتها، وعن مقاتل بن سليمان المجروح بالكذب الذي قال ابن حبان فيه كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.
ففي التفسير المأثور عن مجاهد قال : آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم – وعن السدى اسم أبيه تارح واسم الصنم آزر – وعن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال : آزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه يازر، وفي الأخرى أن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارح. رواهما عنه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ – وعن ابن جريج أن اسمه تيرح. وجزم الضحاك بأن اسمه آزر واعتمده ابن جرير، وروي عن الحسن أيضا. وقال البخاري في التاريخ الكبير : إبراهيم ابن آزر وهو في التوراة تارح والله سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارخ ليعرف بذلك. اه فقد اعتمد أن آزر هو اسمه عند الله أي في كتابه، فإن أمكن الجمع بين القولين فيها وإلا رددنا قول المؤرخين وسفر التكوين لأنه ليس حجة عندنا حتى نعتد بالتعارض بينه وبين ظواهر القرآن بل القرآن هو المهمين على ما قبله نصدق ما صدقه ونكذب ما كذبه ونلزم الوقف فيما سكت عنه حتى يدل عليه دليل صحيح.
وأضعف ما قالوه في الجمع بين القولين إن آزر اسم عمه بناء على أن العرب تسمي العم أبا مجازا وهذه الدعوى لا تصح على إطلاقها، وإنما يصح ذلك حيث توجد قرينة يعلم منها المراد ولا قرينة هنا ولا في سائر الآيات التي ذكر فيها من غير تسمية، ويليه في الضعف قول بعضهم إنه كان خادم الصنم المسمى بآزر فأطلق عليه من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مكانه. وأقواه أن له اسمين أحدهما علم والآخر ولقب. والظاهر حينئذ أن يكون تارح هو اللقب لأن معناه المتكاسل وهو لقب قبيح قلما يطلقه أحد ابتداء على ولده وإنما يطلق مثله على المرء بعد ظهور معناه فيه أو رميه به، إلا أن يصح ما زعمه من عكس فجعل آزر هو اللقب بناء على أن معناه في لغتهم المخطئ أو المعوج أو الأعوج أو الأعرج – ولعله تحريف عما قبله – وقيل إنه الشيخ الهرم بالخوارزمية.
بعد كتابة ما تقدم راجعت ( روح المعاني ) للآلوسي والتفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) للرازي فأحببت أن أنقل عنهما ما يأتي :
قال الآلوسي : وعلى القول بالوصفية يكون منع صرفه للحمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين فإنه يغلب منع صرفه لكثرته في الأعلام الأعجمية، وقيل الأولى أن يقال إنه غلب عليه فألحق بالعلم وبعضهم يجعله نعتا مشتقا من الأزر بمعنى القوة أو الوزر بمعنى الإثم، ومنع صرفه حينئذ للوصفية ووزن الفعل لأنه على وزن أفعل.
وقال الرازي بعد أن ذكر قول الزجاج باتفاق علماء النسب على أن اسم أبي إبراهيم تارح : ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب. ثم ذكر أن للعلماء ههنا مقامين أحدهما رد الاستدلال بإجماع النسابين على أن اسمه كان تارح قال : لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وأمثالهما وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن اه وقد بينا لك مأخذه وإنه لا إجماع في المسألة. ثم ذكر المقام الثاني وهو تسليم قولهم والجمع بينه وبين نص القرآن بما نقلناه عنهم آنفا وبينا قويه من ضعفيه.
ومن الناس من استدل على أن آزر لم يكن والد إبراهيم صلى الله عليه وسلم بل عمه بالجزم بأن آباء الأنبياء كافة أو نبينا خاصة لم يكونوا كفارا وبأن إبراهيم خاطب آزر بالغلظة والجفاء ولا يجوز ذلك من الأنبياء. وقد عزا الرازي هذا القول إلى الشيعة وأطال في بيانه واختصر في بيان ( زعم أصحابه ) – أي الأشاعرة أو أهل السنة كافة – إن آزر كان والد إبراهيم وكان كافرا وفي ردهم قول الشيعة. وقال الآلوسي : والذي عول عليه الجم الغفير من أهل السنة أن آزر لم يكن والد إبراهيم عليه السلام وادعوا أنه ليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم كافر أصلا لقوله عليه الصلاة والسلام « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» والمشركون نجس، وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعول عليه والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقد ألفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا له بما استدلوا. والقول بأن ذلك قول الشيعة كما ادعاه الإمام الرازي ناشئ من قلة التتبع. وأكثر هؤلاء على أن آزر اسم لعم إبراهيم عليه السلام وجاء إطلاق الأب على الجد في قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وآله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [ البقرة : ١٣٣ ] وفيه إطلاق الأب على الجد أيضا. وعن محمد بن كعب ا
وأما ما يترتب على ذلك من الاهتداء إلى وجه الحجة والاستدلال فقوله عز وجل : فلما جن عليه الليل رءا كوكبا . الخ قال الراغب أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة يقال جنه الليل وأجنه وأجن عليه فجنه ستره وأجنه جعل له ما يجنه كقولك قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته، وجن عليه كذا ستر عليه اه ومنه الجن والجنة بالكسر والجنة بالضم وهي الستر يستر به ما يحاول العدو ضربه من الوجه والرأس وغيرهما، والجنة بالفتح وهي البستان الذي يستر أرضه من الشمس. والكوكب والكوكبة واحد الكواكب وهي النجوم. والفلكيون يطلقون المؤنث على المجموعة المعينة منها والعرب تطلقه على الزمرة كما غلب إطلاق النجم معرفا على الثريا، ولم ينقل إلينا تأنيث النجم والعامة تقول نجمة.
والمعنى أن الله تعالى لما بدأ يريه ملكوت السموات والأرض تلك الإراءة التي عللها بما تقدم آنفا، كان من أول أمر في ذلك أنه لما أظلم عليه الليل، وستره أو ستر عنه ما حوله من عالم الأرض، نظر في ملكوت السماء فرأى كوكبا عظيما ممتازا على سائر الكواكب بإشراقه وجذب النظر إليه- يدل على ذلك تنكير الكوكب- وقد روي عن ابن عباس أنه المشتري الذي هو أعظم آلهة بعض عباد الكواكب من قدماء اليونان والروم، وكان قوم إبراهيم سلفهم وأئمتهم في هذه العبادة، وعن قتادة أنه الزهرة. فماذا قال لما رآه ؟ قال هذا ربي أي مولاي ومدير أمر، قيل إنه قال ذلك في مقام النظر والاستدلال لنفسه، وقيل في مقام المناظرة والحجاج لقومه، واعتمد من قال بالأول على ما روي في التفسير المأثور من عبادته عليه الصلاة والسلام لهذه الكواكب في صغره اتباعا لقومه حتى أراه الله تعالى بعد كمال التمييز حجته عل بطلان عبادتها، والاستدلال بأفولها وتعددها وغير ذلك من صفاتها على توحيد خالقها، وأن ذلك كله كان قبل النبوة ودعوتها.
ومنه قصة طويلة مروية عن محمد بن إسحاق فيها أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولدته أمه في مغارة أخفته فيها خوفا عليه من ملكهم نمرود بن كنعان أن يقتله إذا كان أخبره المنجمون بأن سيولد في قريته غلام يفارق دينهم ويكسر أصنامهم فشرع يذبح كل غلام ولد في الشهر الذي وصف أصحاب النجوم من السنة التي عينوا، وفيها أن إبراهيم كان يشب في اليوم كما يشب غيره في شهر وفي الشهر كما يشب غيره في سنة وأنه طلب من أمه بعد خمسة عشر يوما من ولادته أن تخرجه من المغارة فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض- وذكر رؤيته للكوكب فالقمر فالشمس... ولا شك في أن هذه القصة موضوعة لهذه المسألة وأن ابن إسحاق أخذها عن بعض اليهود الذين كانوا يلقنون المسلمين أمثال هذه القصص ليلبسوا عليهم دينهم فتبطل ثقة يهود وغيرها بهم. وروى نحوه أبو حاتم عن السدي. والسدي المفسر كذاب معروف كما قال علماء الحديث واسمه محمد بن مروان.
وأما ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس من تفسير « هذا ربي » بالعبادة فلا يصح وهو من مراسيل علي بن طلحة مولى بني العباس وقد روى عن ابن عباس تفسيرا كثيرا ولم يره وقال فيه أحمد بن حنبل : له أشياء منكرات. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : صدوق يخطئ. ومعاوية بن أبي صالح الراوي عنه من رجال مسلم وقد لينه ابن معين وقال أبو حاتم لا يحتج به. ولم يرضه البخاري ولا ابن القطان، فكيف يؤخذ بروايته عن ابن عباس أن إبراهيم خليل الرحمان كان في صغره مشركا ؟ وهذا إذا فرضنا أن السند إليه صحيح.
ومن العجيب أن ابن جرير اختار هذا القول مع تقريره القول المقابل له على أحسن وجه وهو الذي جزم به الجمهور من كان مناظرا لقومه فقال ما قال تمهيدا للإنكار عليهم، فحكى مقالتهم أولا حكاية استدرجهم بها إلى سماع حجته على بطلانها، إذ أوهمهم أنه موافق لهم على زعمهم، ثم كر عليه بالنقض، بانيا دليله على قاعدة الحسن ونظر العقل، وقيل إنه استفهام إنكار أو تهكم واستهزاء حذفت أداته، أي أهذا ربي الذي يجب علي أن أعبده ؟ وقيل أراد : هذا ربي بزعمكم، أو إنكم تقولون هذا ربي وذلك مما لا يلتئم مع ما يأتي في الشمس، ولا يقبله الذوق.
أما ابن جرير فاحتج أولا بالرواية وقد علمت أنها لا تصلح حجة على دعوى شرك الخليل عليه الصلاة والسلام ولو في الصغر على أنها مطلقة- وثانيا بالعبارة التي قالها بعد أفول القمر، وسترى حسن توجيهها على الوجه الآخر. وأما الجمهور فاحتجوا بحجج كثيرة أطال الإمام الرازي في تعدادها وفي أكثر ما أورده نظر ظاهر. وأقوى حجتهم السياق من حيث تشبيه إراءة الله تعالى إياه هذا الملكوت وما يترتب عليه من إبطال ربوبية الكواكب بإراءته ضلال أبيه وقومه في عبادة الأصنام- ومن إسناد هذه الإراءة إلى الله تعالى الدال على تمييز ما رأى بها على ما كان يرى قبلها- ومن تعليل الإراءة بما تقدم- ومن التعقيب على ذلك بمحاجة قومه وقوله تعالى إنه آتاه الحجة عليهم.
فلما أفل قال لا أحب الآفلين ( ٧٦ ) أي فلما غرب هذا الكوكب واحتجب، قال لا أحب من يغيب ويحتجب، ويحول بينه وبين محبه الأفق أو غيره من الحجب، وأشار بقوله الآفلين إلى أن هذا الكوكب فرد من أفراد جنس كله يغيب ويأفل، والعاقل السليم الفطرة والذوق لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه، ويوحشه فقد جماله وكماله، حتى في الحب الذي هو دون حب العبادة، فإن أحب شيئا من ذلك بجاذب الشهوة دون الاختيار، فلا يلبث أن يسلو عنه بنزوح الدار، والاحتجاب عن الأبصار، إلا أن يصير حبه من هوس الخيال، وفنون الجنون والخبال، وأما حب العبادة الذي هو أعلى الحب وأكمله لأنه من مقتضى الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فلا يجوز أن يكون إلا للرب الحاضر القريب، السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يأفل، ولا ينسى ولا يذهل، الظاهر في كل شيء بآياته وتجليه، الباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي فيه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير [ الأنعام : ١٠٣ ] ولكن تشاهده البصائر بآثار صفاته في الخلق والتقدير، وسلطانه في التصرف والتدبير، وما كان ليخفى على الخليل الأول ما قاله الخليل الثاني في مقام الإحسان، وما ملته إلا عين ملته في الإسلام والإيمان، وهو « أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك »١ فكيف يعبد هذه الكواكب التي تأفل وتحجب عن عابديها، ويخفى حالهم عليها ؟
وقد فسر بعض النظار وعلماء الكلام الأفول بالانتقال من مكان إلى مكان وجعلوا هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث أو الإمكان، وهو تفسير للشيء بما قد يباينه فإن المحفوظ عن العرب أنها استعملت الأفول في غروب القمرين والنجوم وفي استقرار الحمل وكذا اللقاح في الرحم فعلم أن مرادها من الأول عين مرادها من الثاني وهو الغيوب والخفاء، وقد يتحول الشيء وينتقل من مكان إلى آخر وهو ظاهر غير محتجب. وفسره بعضهم بالتغير ليجعلوه علة الحدوث المنافي للربوبية أيضا، وهو غلط كسابقه فإن الشمس والقمر والنجوم لا تتغير بأفولها، ومذهب المتأخرين من علماء الفلك- وهو الصحيح- أن أفولها إنما يكون بسبب حركة الأرض لا بحركتها هي، وأن حركتها على محاورها وحركة السيارات من المغرب إلى المشرق ليست من سبب أفولها المشاهد في شيء.
وفي الكلام تعريض لطيف بجهل قومه في عبادة الكواكب بأنهم يعبدون ما يحتجب عنهم، ولا يدري شيئا من أمر عبادتهم، وهو يقرب من قوله لأبيه بعد ذلك لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ولا يظهر هذا التعريض على قول النظار في تفسير الأفول فإن قوم إبراهيم لم يكونوا على شيء من هذه النظريات الكلامية بل كانوا يعبدون الأفلاك قائلين بربوبيتها، وبقدمها مع حركتها، وما زال الفلاسفة والفلكيون يقولون بقدم الحركة وأزليتها وعلماء الكون في هذا العصر يعدون الحركة مبدأ وجود كل شيء، وأنها ملازمة للوجود المطلق من الأزل إلى الأبد.
وقد كان الزمخشري من أولئك النظار وقد قال بعد ما يأتي في القمر والشمس :« فإن قلت » لم احتج عليهم بالأفول دون البزوع وكلاهما انتقال من حال إلى حال ؟ « قلت » الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب اه وقال ابن المنير إنه من عيون نكته ووجوه حسناته، اه والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا، لا برهانا نظريا جليا، وأن وجه منافاة الربوبية فيه هو الخفاء والاحتجاب والتعدد، وأن البزوغ والظهور لم يجعل فيه مما ينافي الربوبية بل بني عليه القول بها، فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه كما علم مما تقدم آنفا.
مسائل متممة لتفسير الآيات
المسألة الأولى في عقائد قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم
تقدم أنهم كانوا يعبدون الكواكب والأصنام. وقال ابن زيد أنهم كانوا يعبدون الله تعالى أيضا ويشركون ما ذكر به. وكل ذلك صحيح دلت عليه آثار الكلدانيين التي اكتشفت في العراق. وقد أثبت بيروسوس وسنيلوس أن علماءهم وكهانهم كانوا يعرفون حقيقة التوحيد ولكن كانوا يدينون بها في أنفسهم ولا يبيحونها للعامة، وأن اليونان أخذوا هذا النفاق عنهم، ولعل الصواب أن الذين أخذوا عنهم أولا هم قدماء المصريين فقد كان التوحيد منتهى علم حكمائهم وكانوا يكتمونه عن العامة لأن استعباد الملوك الذين هم أعوانهم لها لا يدوم إلا بالوثنية كما يعلم مما بيناه في التفسير وغيره مرارا، واليونان اقتبسوا من القدماء المصريين، على أن هنري رولنسن من مدققي مؤرخي أوروبا قال إن أمة من ضفاف الدجلة والفرات ارتحلت إلى أوروبا بتلك العقائد منقوشة في صفائح الآجر.
من آلهة الكلدانيين ( إلْ ) وهي كلمة سامية عرفت في العربية والسريانية والعبرانية. قال صاحب القاموس : والإل الربوبية واسم الله تعالى. وكل اسم آخره إل وإيل فمضاف إلى الله تعالى. وقال أل المريض والحزين يئل ألا وأللا أن وحن ورفع صوته بالدعاء. وقال في مادة :( أي ل : إيل بالكسر اسم الله تعالى ). وفي لسان العرب بحث في كون الإل من أسماء الله تعالى ولكنه نقله عن ابن سيده ثم قال : والإل الربوبية والأل بالضم الأول في بعض اللغات وليس من لفظ الأول. ثم قال في ( إيل ) : من أسماء الله عز وجل عبراني أو سرياني. ثم نقل عن ابن الكلبي أن جبرائيل وشراحيل وأشباههما كشرحبيل تنسب إلى الربوبية « لأن إيلا لغة في إل وهو الله عز وجل كقولهم عبد الله وتيم الله».
أقول : ونقل مثله في ( إل ) وضعفه بمنع جبريل وما أشبهه من الصرف أي دون شرحبيل وشهميل من أسماء العرب، ونقل عن أبي منصور أنه يجوز أن يكون إيل عرب فقيل إل ثم قال في مادة ( ال ه ) وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة، والإلهة الشمس الحارة حكي عن ثعلب، والإلهية والإلاهة ( بالفتح والكسر ) وألاهة ( مضمومة الهمزة غير معرفة ) كله الشمس الخ ثم ذكر أن : الإلاهة والألوهة والألوهية العبادة. وذكر عند تفسير الإله بالمعبود في أول المادة قولهم : إله بين الآلهة والإلهية والإلهانية وأن أصله من أله ياله ( من باب علم ) إذا تحير.
هذا وإن دلالة مادة ال ه على العبادة والمعبود سامية قديمة منقولة عن الكلدانيين وغيرهم. قال البستاني في دائرة المعارف عند تعريف ( الله ) بأنه اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد – أي كما قال علماء المسلمين - : وهو بالعبرانية ألوهيم بصيغة الجمع تعظيما لا تكثيرا. وقد يطلق على غير لله، ويهوه أي الكائن وهو خاص به تعالى. وإيل أي القدير. وبالسريانية ألوهة وبالكلدانية إلاها اه. وفي تواريخ المتأخرين المؤيدة بالعاديات ( الآثار القديمة ) أن أعظم أرباب الكلدانيين وآلهتهم ( إيل – أو – إل ) فهو رب الأرباب وأصل الآلهة، وليس له تمثال ولا صورة في معابدهم. والظاهر أنهم كانوا يعتقدون مما ورثوا من دين نوح عليه السلام أنه منزه عن صفات الخلق وتخيلاتهم. وروى ديودورس عن فيلو أنه مرادف لزحل، ولا يصح هذا إلا أن يراد بزحل أبو المشتري كما قيل ذلك وقد أشاروا إلى الإيمان به في عصور قدماء ملوكهم، ومما قالوا عنه في أقدم الخرافات أنه أولد ولدين ( أنا ) و ( بيل ) و ( أنا ) هذا هو رأس ( الثالوث ) الكلداني وقيل إن هذا الاسم بمعنى اسم الجلالة ( الله ) ويقولون أنو إذا كان فاعلا وأنا إذا كان مفعولا وأني إذا كان مضافا إليه. ومن ألقابه عندهم – القديم والرأس الأصلي وأبو الآلهة ورب الأرواح والشياطين وملك العالم الأسفل وسلطان الظلام أو رأس لموت. ووجدت آثار عبادته في مدينة ( أرك ) وهي الوركاء. قال ياقوت : الوركاء موضع بناحية الروابي ولد به إبراهيم الخليل عليه السلام. وقد بنى أحد ملوكهم معبدا له ولابنه ( قول ) في أشور سنة ١٨٣٠ قبل المسيح فصار اسم هذه المدينة بعد ذلك ( تلان ) وأصله ( تل أنا ) وجاء ذكره في آجر للملك ( أوركه ) اكتشفت في أنقاض ( أم قبر ) هذه ترجمته :« إن إله القمر ابن شقيق ( أنو ) وبكر ( بعلوس ) قد حمل ( أروكه ) الرئيس التقي ملك ( أور ) على بناء هيكل ( تسين كاثو ) معبدا مقدسا له».
والثاني من ثالوثهم ( بلوس – أو – بيل ) ولعلهما محرفان عن ( بعل ) و ( بعلوس ) ومن أسمائهم ( أنو ) و ( إيل أنيو ) ومعناه السيد. وتلحق غالبا بلفظ ( نيبرو ) ومؤنثها ( نيبروث ) وهي قريبة من كلمة ( نمرود ) التي هي في ترجمة التوراة السبعينية ( نبروث ) وكلمة ( نيبرو ) مشتقة من كلمة نابار السريانية ومعناها طارد، وتدل مادة نبر في العربية على الارتفاع فنبر رفع والنبرة الشيء المرتفع ففيها معنى الشرف. ومعناها في الأشورية يقارب معناها في السريانية ( فبيل نبرو ) بمعنى السيد الصياد أو رب الصيد – ولذلك قيل إنه نمرود المذكور في العهد العتيق، ويقولون إنه كان يصيد الوحوش. وهو بعلوس الذي ذكر مؤرخو اليونان أنه باني مدينة ( بابل ) وملكها الكلدانيون يعبدون ( نمرود ) مدة وجود دولتهم وكانوا يكنونه بأبي الآلهة ويكنون زوجه المسماة ( موليتا – أو – أنوتا ) بأم الآلهة العظام. ولكن وصفت في بعض الآثار بأنها زوج ( نين ) وهو ابنها وفي بعضها أنها زوج ( أشور ) ولها ألقاب عظيمة ووجد لها عدة هياكل.
والثالث من ثالوثهم ( حوا- أو- حيا ) وهو حيوان بعضه كالإنسان وبعضه كالسمك زعموا أنه خرج من خليج فارس ليعلم سكان ضفاف النهرين علم الفلك والأدب، ونسب إليه اختراع حروف الهجاء، وقد وجد اسمه على صحيفة من الآجر وجدت في خرائب ( أور ) ويرى بعض الباحثين أن اسمه من مادة الحياة العربية أو الحية، وشعاره في القلم الكلداني الشكل الأسفيني. ومنه رسم الحية للدلالة على منتهى الذكاء والحكمة والإشارة إلى الحياة. وله ألقاب عظيمة.
وكان للكلدان ( ثالوث ) آخر أحد آلهته ( سيني ) وهو القمر وهذا الاسم سامي فاسم القمر بالسريانية سين وكذا في السنسكريتية، ومن ألقابه زعيم الأرباب في السماء والأرض ( وبعل رونا ) أي رب البناء، وكانوا يصورونه في جميع تطوراته منذ يكون هلالا، وله هياكل كثيرة وأعظم معابده في ( أور ). والثاني ( سان ) أو ( سانسي ) وهو الشمس، والاسم سامي أيضا ومنه السنا بالعربية وهو بالقصر الضياء وقيل ضوء النار والبرق والصواب أنه أعم قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [ يونس : ٥ ] ومنه ( شاني ) بالعبرية ومعناها لامع، واسم الشمس ضياء باللغة السنسكريتية ( سيونا ) ومن ألقاب هذا الإله : رب النار ونير الأرض والسماء. وكان له هياكل في المدن الكبيرة وأشهرها ( بيت بارا ) وبارا أو فرا اسم الشمس بالمصرية القديمة وكان اسم ( هليبوليس ) عندهم ( سيبارا ) وتسمى في الآثار ( تسيبار شاشاماس ) ومعنى الثلاثة مدينة الشمس. وللشمس زوجة عندهم يسمونها ( أي ) و ( كولا ) و( أنونيت ). وثالث الثلاثة ( فول ) أو ( أيفا ) أي الهواء وهو رب الجو القاتم بتسخير الرياح والعواصف والأعاصير المتصرف في الزراعة والمواسم. ومن هياكله بناه الملك ( شماش فول ) الذي ملك الكلدان سنة ١٨٥٠ قبل المسيح.
وهذه الأخبار والآثار تشهد بصدق القرآن، وكونه حجة لله على الأنام، لأن من جاء به أمي لم يقرأ شيئا من كتب الأولين، ولا رأى أثرا من آثار الغابرين، فيعلم منها خبر معبوداتهم. ولا يرد عليه ما أورد على العهد العتيق من كون كاتبه ( عزرا الكاهن ) كتبه بعد السبي فاقتبس فيه كثيرا من تقاليد البابليين.
المسألة الثانية : معنى الرب والإله وشبهة الشرك وكونه قسمان
ظاهر ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن قومه كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أربابا ويتخذون الكواكب أربابا آلهة، فالإله هو المعبود فكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها، والرب هو السيد المالك والمربي والمدبر والمتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء في كل زمن وكل حال وملكه حقيقي تام، وملك غيره عرفي ناقص موقوت، له أجل محدود، وهو المعبود بحق، إذ العبادة الحق لا تكون إلا للرب، فإن العبادة هي التوجه بالدعاء وكل تعظيم قولي أو عملي إلى ذي السلطان الأعلى على عالم الأسباب وما هو فوق الأسباب، لأنه هو الموجد لها والمتصرف فيها، فهي خاضعة لسلطانه وكل ما عداه فهو خاضع لسلطانها بل سلطانه فيها. والأصل في اختراع كل عبادة لغيره تعالى أمران :
أحدهما : أن بعض ضعفاء العقول رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق ليس خاضعا لسنن الله في الأسباب والمسببات لقصر إدراكهم عن الوصول إلى كون القدرة الذاتية خاصة بخالق كل شيء الذي أعطى كل شيء خلقه وما امتاز به على غيره، وكون خفاء سبب الخصوصية لا يقتضي عدم خضوع صاحبها لسنن الخالق فيها وفي غيرها من شؤونه ( أي شؤون صاحب الخصوصية ) ووثنية هؤلاء هي الوثنية السافلة.
ثانيهما : اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر، وسيلة إلى الرب الإله الحق، تشفع عنده وتقرب إليه كل من توجه إليها، أو التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يمثلها أو يذكر بها، فيتوسل ذو الحاجة بدعائها وتعظيمها بالقول أو الفعل لأجل حمله تعالى بتأثيرها عنده، على قبوله وإعطائه سؤله، وهذا التوسل توجه إلى غير الله مبني على اعتقاد عدم انفراد الرب بالاستقلال بقضاء الحاجات، وكونه يفعل بتأثير الوسيلة في إرادته، وهذا شرك في العبادة ينافي الحنيفية. وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت العرب عليها في زمن البعثة، ولذلك كانوا يقولون في طوافهم :( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ).
وكان بعض قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة في الجملة أو أوشكوا، إذ أنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم ولا تبصر عبادتهم، ولا تقدر على نفعهم ولا ضرهم، وإنما قلدوا بعبادتها آباءهم، كما يعلم من محاجته صلى الله عليه وسلم لهم في سورة الشعراء ( ٢٦ : ٦٩ ) الخ ولذلك اتخذوها آلهة معبودين، لا أربابا مدبرين، ولكنهم اتخذوا الكواكب أربابا لما لها من التأثير السببي أو الوهمي في الأرض، وتوسعوا في إسناد التأثير إليها حتى اخترعوا من ذلك ما لا شبهة له، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب النار ونير الأرض والسماء يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإقدام وينصر جندهم ويخذل عدوهم ويمزقه كل ممزق – ويعتقدون نحو ذلك في زحل واسمه ( بيني ) ويعتقدون أن مرداخ، وهو المشتري، شيخ الأرباب ورب العدل والأحكام حافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن ( رنكال ) وهو المريخ كمي الأرباب ورب الصيد وسلطان الحرب، فهو يشترك مع زحل في تدبيره إلا أن هذا هو المقدم في الصيد وذاك المقدم في الحرب، وأن عشتار ( أو نانا ) وهي الزهرة ربة الغبطة والسعادة ومفيضة السرور على الناس، وتمثل في الآثار بامرأة عارية. وأن (
تفسير المنار
رشيد رضا