تفسير المفردات : الكوكب والكوكبة : واحد الكواكب، وهي النجوم، ربي : أي مولاي ومدبر أمري، الأفول : غيبوبة الشيء بعد ظهوره.
ثم فصل سبحانه ما أجمل من رؤية ملكوت السماوات والأرض فقال : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . الإيضاح : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا أي إنه تعالى لما بدأ يريه ملكوت السماوات والأرض، كان من أول أمره في ذلك أنه لما أظلم عليه الليل وستر عنه ما حوله من عالم الأرض نظر في ملكوت السماوات فرأى كوكبا عظيما ممتازا عن سائر الكواكب بإشراقه وبريقه ولمعانه، وهو : كوكب المشتري الذي هو أعظم آلهة بعض عباد الكواكب من قدماء اليونان والرومان، وكان قوم إبراهيم أئمتهم في هذه العبادة وهم لهم مقتدون فلما رآه. قال ربي أي قال هذا في مقام المناظرة والحجاج لقومه تمهيدا للإنكار عليهم فحكى مقالتهم أولا ليستدرجهم إلى سماع حجته على بطلانها، فأوهمهم أولا أنه موافق لهم على زعمهم، ثم كر عليه بالنقض بانيا دليله على الحسن والعقل.
فلما أفل قال لا أحب الآفلين أي فلما غرب هذا الكوكب واحتجب قال لا أحب ما يغيب ويحتجب، إذ من كان سليم الفطرة لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه ويوحشه فقده فما بالك بحب العبادة الذي هو أعلى أنواع الحب وأكمله، لأنه قد هدت إليه الفطرة وأرشد إليه العقل السليم، فلا ينبغي أن يكون إلا للرب الحاضر القريب، السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يغفل، ولا ينسى ولا يذهل، الظاهر في كل شيء بآياته :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
والباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير [ الأنعام : ١٠٣ ] وقد جاء في الحديث في وصف الإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك ".
والخلاصة : إن في هذا تعريضا بجهل قومه في عبادة الكواكب، إذ يعبدون ما يحتجب عنه ولا يدري شيئا من عبادتهم وهذا قريب من قوله لأبيه : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ مريم : ٤٢ ].
وقد احتج إبراهيم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال، لأن الأفول انتقال مع خفاء واحتجاب وهو مما ينافي الربوبية.
تفسير المراغي
المراغي